فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [الْبَقَرَةِ:] ، فَهِيَ عَامَّةٌ وَلَا بُدَّ مِنْ دَعْوَى الْإِضْمَارِ فِيهَا ، فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إِلَّا الْفِضَّةَ وَنَحْنُ نَقُولُ إِلَّا مَا يُقْتَاتُ ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْإِضْمَارَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ فَتَعَارَضَا ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ فِي الْخَضْرَوَاتِ شَيْءٌ يَخُصُّهُ ، وَبِهَذَا الْجَوَابِ يَنْفَصِلُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الْأَنْعَامِ:] ، وَيَنْفَصِلُ عَنْهُ أَيْضًا بِجَوَابَيْنِ آخَرِينَ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الزَّكَاةِ مِنْ صَدَقَةٍ يَتَطَوَّعُ بِهَا يَوْمَ الْحَصَادِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَمَرَ بِإِيتَاءِ حَقِّهِ ، وَلَمْ يَقُلْ حَقَّ اللَّهِ مِنْهُ ، وَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ حَقٌّ ، وَإِنَّمَا الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا . وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَمَرَنَا بِإِخْرَاجِهِ يَوْمَ حَصَادِهِ ، وَالزَّكَاةُ لَا يَجِبُ إِخْرَاجُهَا يَوْمَ الْحَصَادِ إِلَّا بَعْدَ الْجَزِّ وَالدِّيَاسِ ، فَبِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ سَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ ، فَهَذَا أَحَدُ الْجَوَابَيْنِ . وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الزَّكَاةِ إِلَّا أَنَّهُ عَلَّقَ الزَّكَاةَ بِمَا كَانَ مِنْهُ مَحْصُودًا ، وَالْحَصَادُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ فِي الْأَشْجَارِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ ، فَإِنْ قِيلَ الْحَصَادُ هُوَ الِاسْتِعْمَالُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ [الْأَنْبِيَاءِ:] ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: احْصُدْهُمْ حَصِيدًا حَتَّى تَلْقَنِي عَلَى الصَّفَا .