وبعضهُم يحْكِي هذه الحكاية عن عُمر - رضي الله عنه - كالمُنْتَصِر لمن قَرأ بالكَسْرِ قال: قرَأهَا بَعْضُ أصْحَاب عُمَر له بالكَسْر ، فقال:"ابْغُوني رجلاً من كِنَانَة رَاعِياً ، وليَكُون من بني مُدْلج".
فأتوه به ، فقال:"يا فَتَى ، ما الحَرَجَةُ تكُون عِنْدكُم"؟ فقال:"شَجَرَةٌ تكُون بيْن الأشْجَار لا يَصِلُ إلَيْهَا رَاعِيَة ولا وَحِشِيَّة".
فقال: كذلِك قَلْبُ الكَافِر ، ولا يَصلُ إليه شيء ٌ [من الخَيْرِ] .
قال أبو حيَّان:"وهذا تَنْبِيه - والله أعلم - على اشْتِقَاقِ الفِعْل من اسْم العَيْن"كاسْتَنْوقَ واستَحَجَر"."
قال شهاب الدين: لَيْس هذا من بابِ اسْتَنْوَقَ واسْتَحْجَرَ في شَيْءٍ ؛ لأن هذا مَعْنَى مستَقِلٌّ ، ومادَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُتَصَرِّفَة ، نحو:"حَرِجَ يَحْرَجُ فهو حَرِجٌ وحَارِجٌ"بخلاف تِيكَ الألفاظ ، فإنَّ معناها يُضْطَرُّ فيه إلى الأخْذِ من الأسْمَاء الجَامِدَة ، فإن مَعْنَى قولك: استَنْوَقَ الجمل ، أي:"صار كالنَّاقِة"، واسْتَحْجر والنَّاقَةِ ، وأنْتَ إذا قُلْتَ: حَرِج صَدْرُه لَيْس بِكَ ضَرورَة أن تَقُولك"ص كالحَرَجَةِ"بل مَعْنَاه:"تَزايد ضِيقُه"، وأما تَشْبِيهُ عُمَر بن الخطَّاب ، فلإبْرَازه المَعَانِي في قوالِبِ الأعْيَانِ ؛ مبالغة في البيانِ.
وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم:"حَرِجاً"بكَسْر الراء والباقون: بفتحها وقد عُرِفَا ، فأمّا على قراءةِ الفَتْح ، فإن كان مَصْدراً ، جاءت فيه الأوْجُهُ الثلاثة المقدِّمَة في نَظَائِرِه ، وإن جُعِلَ صِفَ' فلا تأويلَ.