ويقول الله لهم رداً عليهم: لا تقترحوا ذلك على الله ؛ لأن {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} ؛ لأن الرسالة إنما تجيء لتنشر خيراً في الجميع ، ولكنها تعف نفسها عن آثار الانتفاع من ذلك الخير . والغير يريد أن تأتي له الخير ثم يترك بعضاً من الخير للناس . والرسول قد جاء لينشر خيره للآخرين ، وهو نفسه لا ينال من هذا الخير إلا البلاغ به . ويأمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت ألا يأخذ أهله الزكاة ، أمّا ما تركه فقد صار صدقة للناس ، أي أنه لم ينتفع به في الدنيا ؛ لذلك هو مأمون على الرسالة ، ولم يردُ أن يأخذ الدنيا ليرثها أهله من بعده . وقد أراده الله كذلك ليكون خيره لكل الناس . فالرسالة تكليف ، والنبوة ليس جزاؤها هنا ، بل من عظمة الجزاء أنه في الآخرة ،"ولذلك حينما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة وقالوا: اشترط لنفسك . قال: تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وتعملون كذا وتعملون كذا ."
قالوا له: فما لنا؟ أنت اشترطت لنفسك ، فما لنا إن نحن وفينا؟ . ماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ . قال: لكم الجنة . هذا هو الثمن الذي عنده ، فمن يريد الجنة يأتي إلى الإيمان ، ومن يريد ما هو دون الجنة فليس مكانه مع أهل الإيمان . مع أنه قال لهم فيما بعد ستركبون السفن وتفرشون الزرابي والوسائد وتجلسون عليها ، وبشرهم بالكثير ، لكنه لم يقل لهم ذلك من البداية لأن من هؤلاء من لا يدرك خيراً في الدنيا مع الإسلام ؛ بل يموت والإسلام ضعيف واتباعه في قلة ، لذلك أعطاهم الجزاء المضمون لهم جميعاً حين قالوا له: ماذا إن نحن وَفَّيْنا؟ .
قال: لكم الجنة . وكأنه صلى الله عليه وسلم يعلمهم أن الدنيا أهون من أن تكون جزاءً على العمل الصالح ، فجزاء العمل الصالح خالد لا يفوتك ولا تفوته . {وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ . .} [الأنعام: 124]