وَمَعْنَى كَوْنِ هَذَا الصَّغَارِ يُصِيبُهُمْ عِنْدَ اللهِ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ، إِذْ كُلُّ مَا فِيهَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عِنْدَ اللهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ هُنَالِكَ تَصَرُّفٌ مَا وَلَا تَأْثِيرٌ ، لَا كَالدُّنْيَا الَّتِي صَرَفَ اللهُ فِيهَا النَّاسَ أَنْوَاعًا مِنَ التَّصَرُّفِ . أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مِمَّا اقْتَضَاهُ حُكْمُهُ وَعَدْلُهُ وَسَبْقَ بِهِ تَقْدِيرُهُ ، فَإِنَّ مَا هُوَ ثَابِتٌ عِنْدَ اللهِ فِي حُكْمِهِ الْقَدَرِيِّ التَّكْوِينِيِّ الَّذِي دَبَّرَ بِهِ نِظَامَ الْخَلْقِ وَمَا ثَبَتَ فِي حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ التَّكْلِيفِيِّ الَّذِي أَقَامَ بِهِ الْعَدْلَ وَالْحَقَّ ، يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ عِنْدَهُ . قَالَ تَعَالَى فِي أَهْلِ الْإِفْكِ: (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (24: 13) ثُمَّ قَالَ فِيهِ: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ) (24: 15) وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يَصِحُّ أَنْ يَحْصُلَ هَذَا الْجَزَاءُ لَهُمْ بِالصَّغَارِ عَلَى اسْتِكْبَارِهِمْ عَنِ الْحَقِّ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْآخِرَةِ ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ مَا يُصِيبُهُمْ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ جَمِيعًا . قَالَ تَعَالَى: (كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ فَأَذَاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (39: 25 ، 26) وَقَالَ فِي عَادٍ قَوْمِ هُودٍ بَعْدَ مَا ذَكَرَ مِنِ اسْتِكْبَارِهِمْ وَجُحُودِهِمْ: