وقال الحكماء: (الأبلغ في تصديق الرسل أن لا يكونوا قبل مبعثهم مطاعين في قومهم؛ لأن الطعن كان يتسع عليهم، فيقال: إنما كانوا أكابر رؤساء فاتبعوا، فكان الله تعالى أعلم حيث جعل الرسالة ليتيم أبي طالب دون أبي جهل والوليد بن المغيرة، وأكابر مكة) .
وقوله تعالى: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ} ، الصغار الذل الذي يصغر إلى المرء نفسه، قال الليث: (يقال من الصغر ضد الكبر: صَغُر يَصْغُر صِغَرًا، فهو صغير، وأما الصَّغار فهو مصدر الصغير في القَدْر، يقال منه: صَغِر يَصْغَر وصَغِر يَصغُر صَغَرًا وصَغَارًا، فهو صاغِرٌ، ويقال أيضًا في المصدر: صَغَرًا وهو الذل، والصاغِرُ: الراضي بالذل، والصُّغرِ) .
قال أبو إسحاق (أي: هم وإن كانوا أكابر في الدنيا فسيصبهم صغار عند الله، أي: مذلة و {عِنْدَ} متصلة بـ {سَيُصِيبُ} ، المعنى: سيصيبهم عند الله صغار، قال وجائز أن يكون {عِنْدَ} متصلة بصغار فيكون المعنى: سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت عند الله لهم) .
قال أبو علي: (يحتمل أن يكون {عِندَ} متصلة بـ {سَيُصِيبُ} ومعمولًا له، كما قال، [كأنه] سيصيب عند الله الذين أجرموا صغار، ويجوز أن يكون {عِندَ} معمولًا لصغار، والعامل فيه صغار نفسه؛ لأنه مصدر فلا يحتاج إلى تقدير محذوف في الكلام كما قدّره أبو إسحاق في قوله: صغار ثابت عند الله، لكن نفس المصدر يتناوله ويعمل فيه، والدليل على أن الصغار مصدر قوله:
وإذا تكُونُ شَديِدَة أُدْعَى لَها ... وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدْعَى جُنْدَبُ
هَذَا لَعَمْرِكُمْ الضغَارُ بَعَيْنِهِ ... لا أُمَّ لي إِنْ كَانَ ذاكَ ولا أبُ