قال النسفي: يعنون أن ما أنتم فيه لخطأ رأيكم ليس بشيء، ولا يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء النفس إلى التهلكة. والمعنى الأول هو الذي يشير إليه كلام أهل السير، وذلك أن المنافقين وقحون لا يبالون أن يقولوا الكلمة التي تنقضها كل الوقائع. روى محمد بن إسحاق في سيرته بسنده عمن ذكر: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني حين خرج إلى أحد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كان بالشوط بين أحد والمدينة، انحاز عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس، فقال: أطاعهم فخرج وعصاني، والله ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس، فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق، وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند ما حضر من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكن لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم. ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم. هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ قال النسفي: يعني أنهم كانوا يتظاهرون بالإيمان قبل ذلك، وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم، واقتربوا من الكفر. أو هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان. لأن تقليلهم سواد المؤمنين بالانخذال تقوية للمشركين.
وقال ابن كثير: استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان. يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ أي: يظهرون خلاف ما يضمرون، والله يعلم أسرارهم.
وهذه طبيعة المنافق يتظاهر بشيء ويبطن شيئا، يقول القول ولا يعتقد صحته، ومن ذلك كلامهم السابق؛ فإنهم يعرفون أن جندا من المشركين قد جاءوا من بلاد بعيدة يتحرقون على المسلمين؛ بسبب ما أصاب أشرافهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين، فالقتال كائن لا محالة، ومع ذلك ادعوا أنه لا قتال،