والآيات كذلك استمرار للآيات السابقة سياقا وموضوعا وهدفا، وجمهور المفسرين يقولون ومنهم من يعزو القول إلى تابعين وتابعي تابعين أن المراد من جملة كَالَّذِينَ كَفَرُوا هم المنافقون ومنهم من يخصّ بالذكر كبيرهم عبد الله بن أبي. وفي آية تأتي بعد قليل نسب مثل هذا القول إلى المنافقين صراحة حيث يكون صرف الكلام إلى المنافقين هنا في محلّه. وفحوى الآية الأولى يدلّ على أن هذا القول مما كان يصدر من المنافقين قبل وقعة أحد وكلّما مات أو قتل أحد من أقاربهم ومعارفهم في غزوة أو سفرة في سبيل الله وطاعته، إما على سبيل الشماتة أم على سبيل التعطيل والصدّ. ويدل كذلك على صحة ما قلناه قبل قليل من أن المتذمرين الذين حكت الآية [154] أقوالهم ومن جملتها لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ
شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا هم من المؤمنين المخلصين وقد وجّه الكلام في هذه الآيات إليهم على سبيل التأنيب والعظة ومعالجة الحالة الروحية التي ألمّت بهم نتيجة لآلام الوقعة ووسوسة المنافقين.
ومع خصوصية الآيات الزمنية فهي كسابقاتها مستمرة التلقين لكل مسلم في كل ظرف بوجوب عدم التشبه بالكفار والمنافقين والاندماج في دسائسهم والاستماع إلى وساوسهم المؤدية إلى الانحراف عن الإخلاص لله تعالى والجهاد والتضحية في سبيله. ومن شأنها أن تمدّ المؤمن المخلص بالصبر والرضا والتسليم لحكمة الله والجرأة والإقدام وإيثار ما عند الله على حطام الدنيا ومتاعها.
[سورة آل عمران (3) : آية 159]
(فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)
(1) فبما رحمة: الجمهور على أن (ما) هنا زائدة وأن الجملة بمعنى فبرحمة من الله.
تعليق على الآية فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ... إلخ وأمر الشورى في الإسلام
الآية متصلة بالسياق ومعقبة على ما جاء في الآيات السابقة كما هو المتبادر.