فعلى هذا يكون المراد بالمؤمنين من آمن مع الرسول من قومه . وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون به ، ووجه المنة أنه إذا كان اللسان واحداً سهل عليهم أخذ ما يجب أخذه عنه ، وإذا كانوا واقفين على أحواله فِي الصدق والأمانة كان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به . وفيه أيضاً شرف لهم وفخر كما قال: {وإنه لذكر لك ولقومك} [الزخرف: 44] وذلك أن الافتخار بإبراهيم صلى الله عليه وسلم كان مشتركاً فيه بين اليهود والنصارى والعرب . ثم اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى وبالتوراة والإنجيل ، وما كان للعرب ما يقابل ذلك . فلما بعث الله محمداً وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائداً على شرف جميع الأمم . وقيل: {من أنفسهم} أي من جنس الإنس لا من الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل . ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن فاطمة أنهما قرآ {من أنفسهم} بفتح الفاء أي أشرفهم ، وعلى هذا يكون المؤمنون عاماً . ويحتمل أن يراد بهم العرب ويصح لأن عدنان ذروة ولد إسماعيل ، ومضر ذروة نزار بن معد بن عدنان ، وخندف ذروة مضر ، ومدركة ذروة خندف ، وقريش ذروة مدركة ، وذروة قريش محمد صلى الله عليه وسلم . وأما سائر أوصافه من قوله: {يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} فقد مر تفسيرها فِي البقرة عند قوله: {ربنا وابعث فيهم رسولاً} [البقرة: 129] وإعراب قوله: {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} كما سلف فِي قوله: {وإن كانت لكبيرة} [البقرة: 143] ومعنى المنة فيه أن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان موقعها أعظم . فبعثة هذا الرسول عقب الجهل والذهاب عن الدين تكون أعم نفعاً وأتم وقعاً . ثم لما أجاب عن نسبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغلول ، حكى عنهم شبهة أخرى وهي قولهم لو كان رسولاً من عند الله ما انهزم عسكره وهو المراد بقوله: {أنى هذا} وأجاب عنها بقوله: {قل هو من عند انفسكم} والواو فِي قوله أو