وتثبيتا لبعض المؤمنين الذين أصيبوا بصدمة في يوم أحد، بعد النصر الباهر الذي أحرزوا عليه في غزوة بدر يحكي لهم القرآن الكريم قصة الأنبياء السابقين، وأتباعهم من المؤمنين المجاهدين، وما لاقوا في سبيل الله من محن ومتاعب، وما بذلوه في نصرته من تضحيات جلى، وما كانوا عليه رغما عن ذلك من ثبات في الموقف، وقوة القلوب، واعتزاز أمام الأعداء، وما آتهم الله بعد ذلك من نصر في الدنيا، وجزاء في الآخرة، وذلك قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} .
ثم يعد الحق سبحانه جنود الإسلام-ووعده حق وصدق-بأن
العاقبة ستكون لهم، وأنه سيلقي الرعب في قلوب أعدائهم، ويغلبهم عليهم في المستقبل كما غلبهم عليهم في الماضي، وذلك قوله تعالى: {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} .
وينتهي هذا الربع بوضع اليد على سبب المتاعب التي لقيها المسلمون يوم أحد، وذلك بغية تنبيه الجيل الإسلامي الأول إلى تجنب عوامل الهزيمة وأسبابها، بالنسبة لما ينتظره من جهاد طويل في سبيل الله، ثم تنبيه كل الأجيال الإسلامية اللاحقة إلى نفس العوامل والأسباب، حتى يتجنبها، ولا تبتلى بها ولا بنتائجها الحتمية، وهذه الأسباب يلخصها كتاب الله في أربعة أشياء:
1 -الفشل الذي يصيب بعض ضعفاء النفوس، فيجرون الهزيمة على من معهم {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ} .