وَلَمَّا كَانَ الْمُشْرِكُونَ فِي الطَّرِيقِ تَلَاوَمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَمْ تَصْنَعُوا شَيْئًا أَصَبْتُمْ شَوْكَتَهُمْ وَحَدَّهُمْ وَتَرَكْتُمُوهُمْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُمْ رُءُوسٌ يَجْمَعُونَ لَكُمْ فَارْجِعُوا حَتَّى نَسْتَأْصِلَ شَأْفَتَهُمْ . فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَادَى النَّاسَ وَنَدَبَهُمْ إِلَى الْمَسِيرِ إِلَى لِقَاءِ عَدُوِّهِمْ وَقَالَ: لَا يَخْرُجْ مَعَنَا إِلَّا مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ فَاسْتَجَابَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الْجُرْحِ الشَّدِيدِ وَالْخَوْفِ وَقَالُوا:"سَمْعًا وَطَاعَةً"وَذَلِكَ مِنْ خَوَارِقِ قُوَّةِ الْإِيمَانِ وَآيَاتِهِ الْكُبْرَى ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَجِيبِينَ كَانَ قَدْ بَرَّحَ بِهِمُ التَّعَبُ وَالْجِرَاحُ تَبْرِيحًا . فَسَارَ بِهِمْ حَتَّى بَلَغُوا حَمْرَاءَ الْأَسَدِ وَأَقْبَلَ مَعْبَدٌ الْخُزَاعِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِأَبِي سُفْيَانَ فَيُخَذِّلُهُ ، فَلَحِقَهُ بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: مَا وَرَاءَكَ يَا مَعْبَدُ ؟ فَقَالَ: مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ تَحَرَّقُوا عَلَيْكُمْ وَخَرَجُوا فِي جَمْعٍ لَمْ يَخْرُجُوا فِي مِثْلِهِ وَقَدْ نَدِمَ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِمْ ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ ؟ قَالَ: مَا أَرَى أَنْ تَرْتَحِلَ حَتَّى يَطْلُعَ أَوَّلُ الْجَيْشِ مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ الْأَكَمَةِ .
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَاللهِ لَقَدْ أَجْمَعْنَا الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ
لِنَسْتَأْصِلَهُمْ ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ فَإِنِّي لَكَ نَاصِحٌ .