أحدها: روي أن عتبة بن أبي وقاص شجه وكسر رباعيته فجعل يمسح الدم عن وجهه وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم وهو يقول:"كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم"ثم أراد أن يدعو عليهم فنزلت هذه الآية
وثانيها: ما روى سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن أقواماً فقال:"اللّهم العن أبا سفيان، اللّهم العن الحرث بن هشام، اللّهم العن صفوان بن أُمية"فنزلت هذه الآية {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} فتاب الله على هؤلاء وحسن إسلامهم (1)
وثالثها: أنها نزلت فِي حمزة بن عبد المطلب وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لما رآه ورأى ما فعلوا به من المثلة قال:"لأمثلن منهم بثلاثين"فنزلت هذه الآية، قال القفال رحمه الله، وكل هذه الأشياء حصلت يوم أحد، فنزلت هذه الآية عند الكل فلا يمتنع حملها على كل الاحتمالات
الثاني: فِي سبب نزول هذه الآية أنها نزلت بسبب أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يلعن المسلمين الذين خالفوا أمره والذين انهزموا فمنعه الله من ذلك وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
الوجه الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر للمسلمين الذين انهزموا وخالفوا أمره ويدعو عليهم فنزلت الآية، فهذه الاحتمالات والوجوه كلها مفرعة على قولنا إن هذه الآية نزلت فِي قصة أحد.
(1) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
قَوْله: (اِلْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا)
سَمَّاهُمْ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا.
قَوْله: (وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ)
هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْله."أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ إِلَخْ"وَالرَّاوِي لَهُ عَنْ حَنْظَلَةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّق. وَقَوْله:"سَمِعْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو إِلَخْ"وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُس عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيد وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُ حَدِيثِ اِبْن عُمَر، لَكِنْ فِيهِ"اللَّهُمَّ اِلْعَنْ لِحْيَانَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّة"قَالَ:"ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا نَزَلَتْ: لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ". قُلْت: وَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا اِحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نُزُول الْآيَة تَرَاخَى عَنْ قِصَّةِ أُحُدٍ، لِأَنَّ قِصَّة رِعْلٍ وَذَكْوَانَ كَانَتْ بَعْدَهَا كَمَا سَيَأْتِي تِلْوَ هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَفِيهِ بُعْدٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الَّذِينَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ قِصَّةِ أُحُدٍ، وَاَللَّه أَعْلَم. وَيُؤَيِّد ذَلِكَ ظَاهِر قَوْله فِي صَدْرِ الْآيَةِ (لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا) أَيْ يَقْتُلهُمْ (أَوْ يَكْبِتَهُمْ) أَيْ يُخْزِيَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) أَيْ فَيُسْلِمُوا (أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) أَيْ إِنْ مَاتُوا كُفَّارًا. اهـ. {فتح البارى حـ 7 صـ 366}