وأنهم إذا ساروا بعد النبي - صلى الله عليه وسلّم - إلى ما كانوا عليه قبلت قلوبهم منعه من التخريب والتفرق واستحبوا العادة الجاهلية على العادة الشرعية، فلا يؤمن إذا أسكنت نفوسهم ذلك وضربوا عليه أن يبتغوا أشكالها من الأمور القديمة المكروهة شيئاً فشيئاً، حتى ينسلخوا من الدين، ولعل ذلك هو الذي أشفق النبي - صلى الله عليه وسلّم - منه عليهم حين قال: «ألا لا تعودون ضلالاً» أو قال: «كفارً يضرب بعضكم رقاب بعض» .
وما نزل هذه المنزلة فينبغي أن يحسم الشيء المؤدي إليه في أوله.
هذا وقد قال الله عز وجل: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} .
وقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} .
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً» .
فهكذا ينبغي أن يكونوا وليس التفرق من ذلك.
وبالله التوفيق.
(فصل)
(ذكر الدلائل على وجوب الشكر)
قد بدأنا في أول الباب بقول الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} .
وبينا أن الإذكار عند الأمر بالعبادة بأنه خلق الناس، وجعل لهم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وجعلها رزقاً للناس، ونصاً من الله - عز وجل - الشكر من عباده، وشكره إنما يكون بعبادته.
وذكرنا بعد هذه الآيات آيات في معناها، ومما يلتحق بها قوله عز وجل: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} .
في عدة مواضع من سورة البقرة.
وقوله - عز وجل - للمسلمين: {وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً} {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} .
وذكرنا هذه الآية في باب حب النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، وبينا ما فيها من مواقع نعم الله على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلّم - عندنا، وقال فيما خاطب به بني إسرائيل: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} .
وقال في المؤمنين: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} .