فإن حمل على كل شيء من ذلك رمى رمياً ضعيفاً لا يبلغهم بمثله سهمه، أو قوياً يتجاوزهم، ولا يسكن بينه وبينهم حموه، وإشارة بالرمح ولم يطعن، وبالسيف ولم يضرب، وأكل مما يرميهم به لو يشير به نحوهم نعتاً له.
وإن قدر على تحذير الناس من حيث لا توقف على أمره فعلت، فإن هموا بالإنصراف كان أول منصرف وبالله التوفيق.
فإن قيل: ليس شيء من هذا بطاعة؟
قلنا: ولا قلنا إن طاعته واجبة بالإطلاق.
وإنما قلنا: أنها تجب تقية له، ووجوب التقية في الظاهر لا تمنع من الاحتياط الذي في الباطن والله أعلم.
وأيضاً فقد قلنا: إن أمكن عزله بلا فتنة وجب، وإذا أمكن ترهين أمره سراً بلا شر يحدث، فكيف لا يجب أو لا يجوز؟ والله أعلم.
(فصل)
وأما ما لا يتصل بأمر السلطان من هذا الباب، فهو أن أهل البلد إذ أخرجوا للجهاد، فينبغي لهم أن يخرجوا معاً ولا ينقصوا، فيتبدد عقبه ويخرج عصبه.
ولا ينبغي إذا أقيمت الصلاة أن يأتيها فريق ويشذ عنها فريق بشيء في نفوسهم، أما من الصلاة، وأما من طريق آخر، ولا ينبغي لهم إذا تفرقت بهم مذاهب الاجتهاد في أحكام الدين أن يتهاجروا ويتباينوا ويتعادوا ويتباغضوا، لاختلاف مقالاتهم، بل يعذر بعضهم بعضاً، ويعلموا أن الاجتهاد لا يؤدي المجتهد إلى ما يحبه ويهواه، ولكن إلى ما جعل طريقاً إليه، ود إلا يأذن الله عليه، فلا يحسبوا اختلاف الرأي خلافاً ولا إفراقاً، ويقتدوا في ذلك بالصحابة رضي الله عنهم، فإنهم كانوا يختلفون ثم لا يتباغضون ولا يتهاجرون.
معنى لزوم الجماعة في هذا لزوم الأمر الجامع، وترك الخوض فيما يفرقه، إتيان أبدى كل واحدة من الفرق وإعجازهم عن القيام بنصرة الدين وأطماع الأعداء أو المخالفين.
وكفران نعمة الله تعالى التي أنعمها على النبي - صلى الله عليه وسلّم - إذ يقول وقوله الحق: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} .
وقال: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .