حضورًا وباعْتبَار ما سيحكى عنهم غيبًا مع تنزيل تغير الصّفَة منزلة تغير الذات.
قوله: (بجنس الْكتَاب كله) أي اللام للاستغراق وقد مَرَّ مرارًا أن اسْتغْرَاق المفرد
أشمل لكون الْكتَاب أكثر من الكتب كما روي عن ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - وعن
هذا اخْتيرَ المفرد.
قوله:(وهو حال من لا يحبونكم. والْمَعْنَى أنهم لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون
بكتابهم أَيْضًا فما بالكم تحبونهم وهم لا يُؤْمنُونَ بكتابكم)عدم إيمانهم بكتابنا مُسْتَفَاد من قوله
وتؤمنون؛ إذ التقدير وأنتم تؤمنون كما نبه عليه المصنف والحال أنكم تؤمنون والْمُضَارِع المثبت
لا يقع حالًا بالواو فيقدر أنتم فتقديم المسند إليه عَلَى المسند الفعلي يفيد الحصر فلا حاجة
إلى الْقَوْل بأنه مأخوذ من فحوى الْكَلَام. نعم لو قيل إنه مُسْتَفَاد من قَوْلُه تَعَالَى:(وإذا خلوا
عضوا عليكم الأنامل)لكان أحسن ولم يجعل مَعْطُوفًا عَلَى لا يحبونكم
لكمال الانقطاع لأنه في معرض التخطئة والإيمان بجنس الكتب خير محض.
قوله: (وفيه) أي في قوله: (هنا أنتم) الآية.
قوله: (توبيخ بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم) توبيخ للكفار؛ إذ تَخْصيص
الإيمان بكل الْكتَاب بالْمُؤْمنينَ دال عَلَى أن غيرهم ليسوا كَذَلكَ بل إيمانهم بكتابهم فالنصارى
آمنوا بالْإنْجيل وأنكروا غيره والْيَهُود أنكروا ما عدا التَّوْرَاة فيدل عَلَى كونهم أصلب.
قوله: (وإذا لقوكم قَالُوا آمَنَّا) نفاقًا أو تغريرًا) وهذا مختص بالْمُنَافقينَ وما قبله عام
لجميع من دون الْمُسْلمينَ؛ ولهذا قال نفاقًا أو تغريرًا فالضَّمير في (لقوكم) راجع إلَى الْمُنَافقينَ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: والحال أنكم تؤمنون بكتابهم أيضًا كما تؤمنون سائر الكتب السماوية فسر جملة
وتؤمنون بالْكتَاب عَلَى صرف معناها إلَى الحال من واو ولا يحبونكم. وفيه نظر لأن الْمُضَارِع
المثبت إذا وقع حالًا لم يجز دخول الواو عند أئمة النحو إلا أن يتكلف ويقال التقدير وأنتم تؤمنون
لتكون الواو داخلة عَلَى الْجُمْلَة الاسمية وجاز ذلك فيها إذا وقعت حالًا. قال بعض شراح الكَشَّاف
ويمكن أن يكون عطفًا عَلَى [تحبونهم] أي أنتم هَؤُلَاء الخاطئون في موالاتهم لأنكم تحبونهم ولا
يحبونكم وتؤمنون بكتابهم ولا يُؤْمنُونَ بكتابكم فقد اخطأتم حَيْثُ واليتموهم في الدين والدُّنْيَا ولا
يوالونكم فيهما. وقال بعضهم ولم يجعله عطفًا عَلَى (تحبونهم) مع ظهوره لأن ذلك في معرض
التخطئة ولا كَذَلكَ الإيمان بالْكتَاب كله وإنه محض الصواب والحمل عَلَى أنكم تؤمنون بالْكتَاب
كله وهم لا يُؤْمنُونَ بشيء منه لأن إيمانهم كلا إيمان فائز جامع المحبة سديد في تقرير الحالية دون
العطف أقول هذا سديد في العطف أَيْضًا لأنه عند حمله عَلَى العطف ثبت الموافقة المؤكدة
للموالاة التي وقع التوبيخ عليها فإذا كانت الموالاة أشد كان التوبيخ أشد بل الحمل عَلَى العطف
أولى من حمله عَلَى الحال إذ التوبيخ عند العطف أبلغ وأشد فالحمل عليه أولى وأشد.
قوله: وفيه توبيخ بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم معنى التفضيل في الصلابة في
باطلهم أن الْمُؤْمنينَ يوافقونهم مع كونهم محقين وهم لا يوافقون الْمُؤْمنينَ أصلًا مع كونهم
متوغلين في الباطل ولذا وُبخ الْمُؤْمنُونَ عَلَى ذلك وخُطئوا فيه إشَارَة إلَى أن من هنا للتعليل.