فيها» ثم قال تعالى {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكتاب لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} أي لو آمنوا بما أنزل على محمد وصدّقوا بما جاء به لكان ذلك خيراً لهم في الدنيا والآخرة {مِّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون} أي منهم فئة قليلة مؤمنة كالنجاشي وعبد الله بن سلام، والكثرةُ الكثيرة فاسقة خارجة عن طاعة الله، {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} أي لن يضروكم إلا ضرراً يسيراً بألسنتهم من سبٍّ وطعن {وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدبار} أي ينهزمون من غير أن ينالوا منكم شيئاً {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} أي ثم شأنهم الذين أبشركم به أنهم مخذولون لا ينصرون والجملة استئنافية {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثقفوا} أي لزمهم الذل والهوان أينما وجدوا وأحاط بهم كما يحيط البيت المضروب بساكنه {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله وَحَبْلٍ مِّنَ الناس} أي إِلا إذا اعتصموا بذمة الله وذمة المسلمين قال ابن عباس: بعهدٍ من الله وعهدٍ من الناس {وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله} أي رجعوا مستوجبين للغضب الشديد من الله {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة} أي لزمتهم الفاقة والخشوع فهي محيطة بهم من جميع جوانبهم {ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ} أي ذلك الذل والصغار والغضب والدمار، بسبب جحودهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء ظلماً وطغياناً {ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} أي بسبب تمردهم وعصيانهم أوامر الله تعالى.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1 - {وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} فيه من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة.
2 - {وأولئك هُمُ المفلحون} فيه قصر صفة على موصوف حيث قصر الفلاح عليهم.
3 - {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} بين كلمتي {تَبْيَضُّ} و {تَسْوَدُّ} طباق.
4 - {فَفِي رَحْمَةِ الله} مجاز مرسل أطلق الحالُّ وأريد المحل أي ففي الجنة لأنها مكان تنزل الرحمة.
5 - {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة} فيه استعارة حيث شبه الذل بالخباء المضروب على أصحابه وقد تقدمت في البقرة.