وقال بعضهم: هو الكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - مع المعرفة بصدقه ، وقيل: هو ما ذكره تعالى من بعدُ فِي قول بعضهم لبعض (آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ) .
وأما كتمانهم الحق فما كتموه من صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - التي دَلّ عليها إشارات التوراة والإِنجيل ، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كتمان العلم بقوله:
"من سُئل عن علم فكتمه ..."الخبر ، وعنى بالآية كتمانه مع
وجوب إظهاره:
فأما صيانة الحكمة عمن لا يستحقها ؛ إما لقصوره عن الوقوف عليها ، أو خوفاً أن يجعلها ذريعة إلى فساد ، فذلك واجب.
وقوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي تعرفون الحق
الذي تكتمونه ، والتلبيس الذي تاتونه.
إن قيل: لِمَ قال هاهنا: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ، وقال فيما قبله:
(وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ؟
قيل: الذي نفى عنهم ما ادعوه من كون إبراهيم يهوديّا أو نصرانيا.
وليس ذلك فِي كتابهم.
وما أثبت لهم هاهنا وقفوا عليه من كتابهم من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فجحدوه ، وهذا غاية الذم ، إذ جحدوا ما علموا ، وادعوا ما جهلوا.
قوله عز وجل: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(72)
الوجه: أصله الجارحة ، ولما كان هو أول ما يستقبلك ، وأشرف
ما فِي البدن ، تارة يُستعملُ فِي أشرف الشيء ، فيقال: هذا وجه
كذا ، وتارة فِي مبدئه ، نحو: وجه النهار.
وقوله: (آمِنُوا) أي أظهروا الإِيمان ، وقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا) أي آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - .
والطائفة التي قالت ذلك قال قتادة والربيع: هم اليهود بعضهم لبعض ،
وقال الحسن: يهود خيبر ، قالوا: ليهود المدينة فخصص.