أنهم يضلون أنفسهم ، وإنما قال: (لَا يَشْعُرُونَ) مبالغة في
ذمهم ، وأنهم افتقدوا المنفعة بحواسهم ، كقوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) وقول من قال: الآية تدل على أن المعارف مكتسبة
بقوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ) ، فبعيد عن تصور الفرق بين قولهم:
يشعر ويعلم ، ورُوي فِي سبب نزول هذه الآية: أن قوما من
اليهود دعوا عمار بن ياسر
وحذيفة بن اليمان إلى اليهودية.
قوله عز وجل: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ(70)
الشهادة: الإخبار بالشيء عن مشاهدة: إما ببصر.
أو ببصيرة ، ثم يُعبر بها عن المعرفة القتضية لصحة ما يدعي ، وإن
كان المدعى عليه منكرا بلسانه كقولك لخصمك: أنت تشهد أن
الأمر بخلاف ما تذكره.
فقوله: (لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ)
منهم من خص ، فقال: عنى بذلك الآيات المنزلة على محمد - صلى الله عليه وسلم -
ومنهم من قال: عنى الآيات التي تدل من الكتابين على صحة
نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -
(وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) يعني شهادة بالقلب دون اللسان ، أو عنى ما يكون من شهادتهم (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ) .
وقيل: معناه: وأنتم تشهدون يا أهل الكتاب: لم تلبسون الحق بالباطل ، تنبيها أنهم يفعلون ذلك حماية على رياستهم وعصبية لملّتهم ، لا جهلًا بالحق ، بل هم يعلمون.
قوله عز وجل: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(71) .
لبس الحق بالبطل على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يُحرِّف الحق ، فيُجعل فِي صورة الباطل.
والثاني: أن يُزين الباطل ، فيُجعل فِي صورة الحق.
الثالث: أن لا يُميّز أحدهما عن الآخر مع الإمكان.
وقد فُسّرت الآية على الأوجه الثلاثة.
قال الحسن وابن زيد: هو تحريف التوراة والإنجيل ،