وهنا نجدنا أمام صورة حسية لحقيقة شعورية ، ولحقيقة معنوية.. إن الإيمان بالله عروة وثيقة لا تنفصم أبداً.. إنها متينة لا تنقطع.. ولا يضل الممسك بها طريق النجاة.. إنها موصولة بمالك الهلاك والنجاة.. والإيمان فِي حقيقته اهتداء إلى الحقيقة الأولى التي تقوم بها سائر الحقائق فِي هذا الوجود.. حقيقة الله.. واهتداء إلى حقيقة الناموس الذي سنه الله لهذا الوجود ، وقام به هذا الوجود.
والذي يمسك بعروته يمضي على هدى إلى ربه ؛ فلا يرتطم ولا يتخلف ولا تتفرق به السبل ولا يذهب به الشرود والضلال.
{والله سميع عليم} ..
يسمع منطق الألسنة ، ويعلم مكنون القلوب. فالمؤمن الموصول به لا يُبخس ولا يظلم ولا يخيب.
ثم يمضي السياق يصور فِي مشهد حسي حي متحرك طريق الهدى وطريق الضلال ؛ وكيف يكون الهدى وكيف يكون الضلال.. يصور كيف يأخذ الله - ولي الذين آمنوا - بأيديهم ، فيخرجهم من الظلمات إلى النور. بينما الطواغيت - أولياء الذين كفروا - تأخذ بأيدهم فتخرجهم من النور إلى الظلمات!
إنه مشهد عجيب حي موح. والخيال يتبع هؤلاء وهؤلاء ، جيئة من هنا وذهاباً من هناك. بدلاً من التعبير الذهني المجرد ، الذي لا يحرك خيالاً ولا يلمس حساً ولا يستجيش وجداناً ولا يخاطب إلا الذهن بالمعاني والألفاظ.
فإذا أردنا أن ندرك فضل طريقة التصوير القرآنية ، فلنحاول أن نضع فِي مكان هذا المشهد الحي تعبيراً ذهنياً أياً كان. لنقل مثلاً: الله ولي الذين آمنوا يهديهم إلى الإيمان. والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يقودونهم إلى الكفران.. إن التعبير يموت بين أيدينا ، ويفقد ما فيه من حرارة وحركة وإيقاع!
وإلى جانب التعبير المصور الحي الموحي نلتقي بدقة التعبير عن الحقيقة:
{الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور. والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} ..