فقال: لأني رأيت إبليس عليه الملونات، وبينا أنا قائم أصلي يوم جمعة رأيته قد دخل المسجد بيده باقة ريحان، فمر بين الصفوف يشمه واحداً واحداً إلى أن قرب مني، فلما دنا مني نظرت إليه بقرب فتأملت مَنْ شَمَّ ريحانه، فمن كان قائما جلس ومن كان جالساً نعس.
140 -ومنها: تشبيك الأصابع في أمكنةٍ وأوقاتٍ تُطلب فيها الطاعة وحضور القلب عبثاً وتلهياً عن ذكر الله تعالى.
وروى الإمام أحمد بإسناد حسن، عن مولى لأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما قال: بينما أنا مع أبي سعيد وهو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا رجل جالس في وسط المجلس محتبياً مشبكاً أصابعه بعضها في بعض، فأشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يفطن الرجل لإشارة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالتفت إلى أبي سعيد فقال:"إِذَا كانَ أَحَدُكُم فِي الْمَجْلِسِ فَلا يُشْبِكَنَّ؛ فَإِنَّ التَّشْبِيْكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَزَالُ فِيْ صَلاةٍ مَا كَانَ فِيْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ".
وهذا الحديث فيه إشارة إلى كراهية التشبيك بين الأصابع في
المسجد - سواء كان في صلاة، أو لا - وكذلك لو خرج إلى المسجد وهو في الطريق كما جزم به البغوي في التحقيق؛ لما رواه أبو داود، وغيره عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوْءَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلا يُشْبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ؛ فَإِنَّهُ فِي صَلاةٍ".
قال الحافظ العراقي: الحكمة في النهي عن التشبيك في الصلاة أو في المسجد إمَّا لما فيه من العبث، أو لما فيه من التشبه بالشيطان، أو لدلالة الشيطان على ذلك كما في حديث مولى أبي سعيد رضي الله تعالى عنهما، انتهى.
ولا يعارض ما ذكرناه حديثَ"الصحيحين":"الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤمِنِ كَالْبُنْيَانِ"، وشبك بين أصابعه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - منزه عن التلهي والعبث، وإنما أراد تمثيل تعاضد المؤمنين بعضهم ببعض بالبنيان المتعاضد، ثم حكى التعاضد بيديه - صلى الله عليه وسلم - ليجمع بين القول والفعل؛ فافهم!