فقلتُ له: ادعُ له، فقال: حَجَبَهُ الله عن معاصِيه.
إخواني! نفوس هذه الطائفة قد ذابت بالمحبة إليه، وقلوبهم طارت بالشوق إليه، قلوبٌ صفت من الأدناس فصفّاها مع الأنفاس، قلوبٌ، لا يُطفى حريقُها، ولا يسكن شهيقُها، إذا لاح للباشق صيدٌ نَسِيَ مألوف الكف، من كان واثقاَ بالسلامة فرح بفَكَ باب السجن.
(فصل التماس رضى الله وإن سخط الناس)
العاقل من يحفظ جانب الله عز وجل وإن غضب الخلق.
وكل من يحفظ جانب المخلوقين ويضيع حق الخالق يقلب الله قلب الذي قصد أن يرضيه فيسخطه عليه.
قال المأمون لبعض أصحابه: لا تعص الله بطاعتي فيسلطني عليك.
ولما بالغ طاهر بن الحسين فيما فعل بالأمين وفتك به وصلب رأسه وإن كان ذلك عن إرادة المأمون، ولكن بقي أثر ذلك في قلبه، فكان المأمون لا يقدر أن يراه.
ولقد دخل عليه يوماً فبكى المأمون، فقال له طاهر: لم تبك لا أبكى الله عينك، فلقد دانت لك البلاد؟.
فقال: أبكي لأمر ذكره ذل، وسره حزن، ولن يخلو أحد من شجن.
فلما خرج طاهر نفذ إلى حسين الخادم مائتي ألف درهم، وسأله أن يسأل المأمون لم بك؟ فلما تغدى المأمون قال: يا حسين اسقني.
قال: لا والله ولا أسقيك حتى تقول لم بكيت حين دخل عليك طاهر؟.
قال: يا حسين وكيف عنيت بهذا حتى سألت عنه؟ قال: لغمي بذلك.
قال: يا حسين أمر إن خرج من رأسك قتلتك.
قال: يا سيدي ومتى أخرجت لك سراً؟.
قال: إني ذكرت أخي محمداً وما ناله من الذلة فخنقتني العبرة فاسترحت إلى إفاضتها ولن يفوت طاهراً مني ما يكره.
فأخبر حسين طاهراً بذلك، فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد.
فقال له: إن المعروف عندي ليس بضائع فغيبني عن عينه. قال: سأفعل.
فدخل على المأمون فقال: ما بت البارحة. قال: ولم؟ قال: لأنك وليت غسان بن عباد خراسان. وهو ومن معه أكلة رأس، فأخاف أن يخرج خارج من الترك فيصطلمه.
قال: فمن ترى؟ قال: طاهر بن الحسين فعقد له فمضى، فبقي مدة ثم قطع الدعاء للمأمون على المنبر يوم الجمعة.
فقال له صاحب البريد: ما دعوت لأمير المؤمنين قال: سهو فلا تكتب.
ففعل ذلك في الجمعة الثانية والثالثة. فقال له: لا بد أن أكتب لئلا يكتب التجار ويسبقوني.
قال: اكتب فكتب، فدعا المأمون أحمد بن أبي خالد وقال: إنه لم يذهب علي احتيالك في أمر طاهر، وأنا أعطي الله عهداً إن لم تشخص حتى توافيني به كما أخرجته من قبضتي لتذمن عقباك.