فشخص وجعل يتلوم في الطريق ويعتل بالمرض، فوصل إلى الري وقد بلغته وفاة طاهر.
قلت: ولما خرج الراشد من بغداد وأرادوا تولية المقتفي شهد جماعة من الشهود بأن الراشد لا يصلح للخلافة فنزعوه وولوا المقتفي.
فبلغني أنه ذكر للمقتفي بعض الشهود فذمه، وقال: كان فيمن أعان على أبي جعفر.
وعلى ضد هذا كل من يراعي جانب الحق والصواب، يرضى عنه من سخط عليه.
ولقد حدثني الوزير ابن هبيرة أن المستنجد بالله كتب إليه كتاباً وهو يومئذ ولي عهد، وأراد أن يستره من أبيه قال فقلت: للواصل به والله ما يمكنني أقرؤه لا أجيب عنه.
فلما ولي الخلافة دخلت عليه فقلت: أكبر دليل على صدقي وإخلاصي أني ما حابيتك في أبيك. فقال: صدقت أنت الوزير.
وحدثني بعض الأصدقاء أن قوماً ألحقوا إلى المخزن بعض دين لهم ليستخلص، فقال المسترشد لصاحب المخزن: خلصه لهم وخذ ما ضمنوا لنا.
فأحضر ابن الرطبي وعرض الأمر عليه، فقال: هذا أمر بظلم وما أحكم فيه.
فقال: إن السلطان قد تقدم، قال ما أفعل؟.
فأحضر قاضياً آخر فبت الحكم، فأخبر الخليفة بالحال.
فقال: أما ابن الرطبي فيشكر على ما قال. وأما الآخر فيعزل.
وذلك لأنه بان له أن الحق ما قاله ابن الرطبي.
وكذلك ما طلبه السلطان من أن يلقب ملك الملوك، فاستفتى الفقهاء فأجازوا ذلك وامتنع من إجازته الماوردي، فعظم قدره عند السلطان.
ومثل هذا إذا تتبع كثير.
فينبغي أن يحسن القصد لطاعة الخالق وإن سخط المخلوق، فإنه يعود صاغراً.
ولا يسخط الخالق، فإنه يسخط المخلوق فيفوت الحظان جميعاً.
(فصل)
أَرْوَاح المحبين خرجت بالرياضة من أبدان الْعَادَات وَهِي فِي حواصل طير الشوق ترفرف على أطلال الوجد وتسرح فِي رياض الْأنس عِنْد المحبين شغل عَن الْجنَّة فَكيف يلتفتون إِلَى الدُّنْيَا مَا ترى عين المحبين إِلَّا المحبوب فَبِي يسمع وَبِي يبصر
(أَنْت عين الْعين إِن نظرت ... ولسان الذّكر إِن ذكرا)
(أَنْت سَمْعِي إِن سَمِعت بِهِ ... أَنْت سر السِّرّ إِن خطرا)
(مَا بَقِي لي فِيك جارحة ... كلهَا يَا قاتلي أسرا)