فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَذْكُرْ طَوَافَ الزِّيَارَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ فُرُوضِهِ قِيلَ لَهُ: ظَاهِرُ اللَّفْظ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ فَرْضًا بِدَلَالَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يُوجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مَسْنُونًا وَيَكُونَ تَطَوُّعًا، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ قِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ يَقْتَضِي ظَاهِرُ اللَّفْظِ، إنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ مَسْنُونًا فِي تَوَابِعِ الْحَجِّ بِدَلَالَةٍ.
وَمِمَّا يُحْتَجّ بِهِ لِوُجُوبِهِ أَنَّ فَرَضَ الْحَجِّ مُجْمَلٌ فِي كِتَابِ اللَّه؛ لِأَنَّ الْحَجَّ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ، قَالَ الشَّاعِرُ: يَحُجُّ مَأْمُومَةَ فِي قَعْرِهَا لَجَفَّ يَعْنِي أَنَّهُ يَقْصِدُ ثُمَّ نُقِلَ فِي الشَّرْعِ إلَى مَعَانٍ أُخَرِ لَمْ يَكُنْ اسْمًا مَوْضُوعًا لَهَا فِي اللُّغَةِ وَهُوَ مُجْمَلٌ مُفْتَقِرٌ إلَى الْبَيَان فَمهمَا وَرَدَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ بِالْجُمْلَةِ.
وَفِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا وَرَدَّ مَوْرِدَ الْبَيَانِ فَهُوَ عَلَى الْوُجُوبِ، فَلَمَّا سَعَى بَيْنَهُمَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ ذَلِكَ دَلَالَةَ الْوُجُوبِ حَتَّى تَقُومَ دَلَالَةُ النَّدْبِ.
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ} وَذَلِكَ أَمْرِ يَقْتَضِي إيجَابُ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي سَائِرِ أَفْعَالِ الْمَنَاسِكِ، فَوَجَبَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي السَّعْيِ بَيْنَهُمَا.