إن فِي إيجاد سموات الأرواح وأرض النفوس، واختلاف النور والظلمة بينهما، وفلك البدن التي تجري فِي بحر الاستعداد بما ينفع الناس فِي كسب كمالاتهم، وتكميل نشأتهم، وما أنزل الله من سماء الأرواح من ماء العلم فأحيا به أرض النفوس بعد موتها بالجهل وبث فيها القوى الحيوانية، وفرق فِي أفلاكها سيارات عالم الملكوت، وتصريف رياح النفحات المحركة لأغصان أشجار الشوق فِي رياض القلوب وسحاب التجليات المسخر بين سماء الروح وأرض النفس ليمطر قطرات الخطاب على نيران الألباب لتسكن ساعة من الاحتراق بالتهاب نار الوجد لآيات ودلائل {لقوم يعقلون} [البقرة: 164] بالعقل المنور بالأنوار القدسية المجرد عن شوائب الوهم، {وَمِنَ الناس} من يعبد من دون الله أشياء منعته عن خدمة سيده، والتوجه إليه يحبونهم ويميلون إليهم كحبهم لله ويسوون بينهم وبينه سبحانه لأنهم لم يذوقوا لذة محبته ولم يروا نور مشاهدته وحقائق وصله وقربه {والذين ءامَنُواْ} الإيمان الكامل {أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ} لأنهم مستغرقون بمشاهدته هائمون بلذيذ خطابه من عهد {أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ} [الأعراف: 172] لا يلتفتون إلى سواه طرفة عين فهيهات أن يزول حبهم أو يميل إلى الأغيار لبهم وهم أحبوه بحبه وصارت قلوبهم عرش تجلياته وقربه {وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ} [البقرة: 165] وأشركوا من هو فِي الحقيقة لا شيء ولا حي ولا ليّ فِي وقت رؤيتهم عذاب الاحتجاب عن رب الأرباب، وإن القدرة لله جميعاً، وليس لآلهتهم التي ألهتهم عنه منها شيء لندموا وتحسروا حيث لم يقصدوا وجه الله تعالى ولم يطلبوه، وعند ذلك يتبرؤ الاتباع من المتبوعين وقد رأوا عذاب الحرمان {وتقطعت بهم} [البقرة: 166] الوصل التي كانت بينهم فِي الدنيا وتمنوا ما لا يمكن بحال وبقوا بحسرة وعذاب.
وكذا يكون حال القوى الروحانية الصافية للقوى النفسانية التابعة لها فِي تحصيل لذاتها، وطوبى للمتحابين فِي الله تعالى عز شأنه. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 2 صـ 37 - 38}