وشُجّ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكسرت رباعيته ، وهشمت البيضة على رأسه ، وقتل أعزاؤه ومُثِّل بهم ، فشمتت أعداؤه واغتم أولياؤه ، وابتلوا يوم الخندق ، وزلزلوا زلزالاً شديداً ، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ، وكانوا فِي خوف دائم وعري لازم ، وفقر مدقع ، حتى شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع ، ولم يشبع سيد الأولين والآخرين من خبز بُرّ فِي يوم مرتين ، وأوذي بأنواع الأذية حتى قذفوا أحب أهله إليه .
ثم ابتلي فِي آخر الأمر بمسيلمة وطُلَيْحة والعَنْسي ، ولقي هو وأصحابه فِي جيش العسرة ما لقوه ، ومات ودرعه عند يهوديّ على آصع من شعير ، ولم تزل الأنبياء والصالحون يتعهدون بالبلاء الوقت بالوقت يبتلي الرجل على قدر دينه ، فإن كان صلباً فِي دينه شدد فِي بلائه ، ولقد كان أحدهم يوضع المنشار على مفرقه فلا يصده ذلك عن دينه . وقال عليه الصلاة والسلام: ( مثل المؤمن مثل الزرع ، لا تزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ) وقال عليه الصلاة والسلام: ( مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح ، تصرعها مرة وتعدلها مرة حتى تهيج ) فحال الشدة والبلوى مقبلة بالعبد إلى الله عز وجل ، وحال العافية والنعماء صارفة للعبد عن الله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} [يونس: 12] ، فلأجل ذلك تقللوا فِي المأكل والمشارب والمناكح والمجالس والمراكب وغير ذلك ؛ ليكونوا على حالةٍ توجب لهم الرجوع إلى الله تعالى عز وجل والإقبال عليه .