قال الرازي: وقد يكون المعنى: كنا قادرين على أن نجعل بنانه مع كفه مثل صفيحة مستوية لا شقوق (أخاديد) فيها كخف البعير، فلا يستطيع أن يؤدي الأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة وغيرها من الأعمال التي يستعين الإنسان بأصابعه في القيام بها.
توجيه هذا القول:
1 -وهذا فيه إشارة إلى علم التشريح؛ وذلك بأن اللَّه يدعو الإنسان لكي يتأمل في خلقه، وفي الفرق بينه وبين الحيوان، وهذا التأمل إما بالنظر أو بالتدقيق، فالنظر يكون بالعين المجردة، والتدقيق يكون عن طريق علم التشريح. فهناك اختلاف بيْن بنان الإنسان وبنان الحيوان في التركيب والتكوين، وإن كان هذا ظاهرًا للناس إلا أن هناك اختلافات دقيقة تتأتى من علم التشريح.
2 -أي أن اللَّه قادر أن يحدث تشوه في بنانه أو تصلُّب فيها فتصبح شبيهة بأيدي أو أرجل الحيوان بالتشوه أو بالمسخ، والشبه لا يعني التساوي، بل قصد المفسرين أن يد
الإنسان لو نزع منها خاصية الليونة في المفاصل ووجود أنامل إصبع؛ لانتفت قدرة اليد على الإمساك بالقلم والفأس بطلاقة، نعم هناك بعض القرود قد تفعل ذلك ولكن ليس بنفس طلاقة فعل الإنسان وقوة تحكمه.
وفي هذا امتنان من اللَّه على الإنسان وتكريمه على باقي خلقه؛ قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (الإسراء: 70) .
إذًا هذا دليل على أن هناك حكم وأسرار في هذا البنان الذي هو لدى الإنسان ولا يدري ما فيه من تلك الحكم وتلك الأسرار، فهل هو شاكرٌ لهذه النعمة ومعترف بربه ذو الحكمة، أم أنه ينتظر أن تزول تلك النعمة منه في الدنيا بأن يمسخ أو في الآخرة بأن يُشوَّه.
3 -يوم القيامة سيحدث فيه تغيير لخلقة المجرمين من البشر؛ قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} ، أي: في أعدل خلق وفي أحسن صورة، {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) } أي: إلى النار، قاله الحسن، وأبو العالية، ومجاهد، والمعنى: إنا نفعل هذا بكثير من الناس، تقول العرب: أنفق فلان ماله على فلان، أي لم ينفقه كله.