إن قلت: الرحمة سبب، فهلا قدمت عليها؟ قلت: المغفرة راجعة لدفع المؤلم، والرحمة لجلب الملائم؛ فلذلك أخرت، وقال السماكي: لأن المغفرة سلامة، والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة، ثم قال: فإن قلت: لم ذكر في سبإ في قوله تعالى: (وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) ، فأجاب: بأن ذلك منتظما في تعداد الخلق من المكلفين، وغيرهم، فالرحمة تشملهم جميعا، والمغفرة تخص بعضا دون بعض، والعموم قبل الخصوص.
قوله تعالى: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ ... (29) }
إن قلت: فيها حجة على المعتزلة في قولهم: إن العبد يخلق أفعاله، قلت: لا دليل فيها لوجهين:
الأول: اتفاقا على أن قدرة العبد قاصرة عليه، ولا تَصَرُّفَ له في قدرة غيره، والقدرة هنا منسوبة لله تعالى، أي هم عاجزون عن كل ما تفضل الله به.
الثاني: أن المراد من قوله (مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) ، الحكم بالشيء من ثواب وعقاب ونصرة، وغير ذلك، فيكون أمرا حُكْمِيًّا؛ لَا أنه فعل وجودي.
فإن قلت: فيها دليل على أن أهل الكتاب عناد؛ لاقتضاء أنهم سيعلمون بنصرة المؤمنين عليهم عجز به عن الأسباب المتحصلة، قيل: فضل الله ورحمته، وإذا علموا ذلك كان كفرهم عنادا، قلت: فرق بين عنادهم في الإيمان وبين عنادهم في حقيقة ما دل عليه القرآن الذي أخبرهم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنهم إن علموا ذلك بعد هذا تحققوا صدق ما أخبروا به في هذه الآية.
قوله تعالى: (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) .
من خواص الإرادة الترجيح من غير مرجح. انتهى انتهى {تفسير ابن عرفة. 4/ 163 - 172} ...