من الظلمات إلى النور؛ أي: ظلمات الغفلة والنسيان والجهل إلى نور العلم والذكر
والإيمان، كونهم موجودين في موجود علمه وقدرته ومشيئته لم يزل يعلمهم ويعلم
ما يكون منهم وعنهم، ثم أخرجهم إلى وجود أنفسهم قبل أن يخلق السماوات
والأرض بخمسين ألف سنة، وأخذ عليهم ميثاق العبودية له والإذعان منهم
بالربوبية، ثم أخرجهم من صلب آدم بعد أن خلفه وأخذ عليهم الميثاق، فعطف أخذ
الميثاق منهم حين أوجدهم لأنفسهم في البدء على كونهم موجودين في وجود ربهم.
قالوا وفي قوله: (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ) زائدًا على الموجود من
علمكم به وعلمكم بأنفسكم، فقررهم مؤاخذة وتذكرًا بالأولية بقوله:(وَمَا لَكُمْ لَا
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)يعرض بما تقدم ذكره، ثم عطف على ذلك قوله: (وَالرَّسُولُ) الآن
(يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ) المعهود معرفته في فطركم (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ) في البدء
الأول بذلك (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) في قولكم يومئذٍ جوابًا لقوله:(أَلَسْتُ
بِرَبِّكُمْ)فقلتم: (بَلَى شَهِدْنَا) (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أيضًا بإخباره إياكم
عن ذلك وإعلامكم به.
قوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...(10) .
يقول - عز من قائل: مالكم وترك النفقة في سبيل الله والموت من ورائكم،
وإنما أنتم مستخلفون فيما آتيناكم ورثتموه من غيركم وطوارق الحوادث مطيقة بكم
يرثكم سواكم كما ورثتم أنتم غيركم حتى يرث الله السماوات والأرض ومن عليها.
يقول - عز وجل: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ) يعني: فتح مكة
(وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)
يجزى على قدر عمله ونيته؛ لذلك قال: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) . انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 5/ 290 - 296} ...