أي فاهربُوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة. قال ابن عباس - (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -) : فروا منه إليه واعملوا بطاعته. وقال سهل بن عبد الله: فروا ممَّا سوى الله إلى الله {إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} وهذا إشارة إلى الرسالة.
قوله: {وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ الله إلها آخَرَ} إتماماً للتوحيد، لأن التوحيد يباين التعطيل والتشريك، لأن المُعَطِّل يقول: لا إله أصلاً والمشرك يقول بوجود إله آخر، والموحِّد يقول: قول الاثنين باطل، لأن نفي الواحد باطل والقول بالاثنين باطل، فلما قال تعالى: {ففروا إِلَى الله} أثبت وجود الله، فلما قال: {وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ الله إلها آخَرَ} نفى الأكثر من واحد فصح القول بالتوحيد بالآيتين.
ولهذا قال مرتين: {إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي في المقامين والموضِعَيْنِ.
{كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) }
«فَإِنْ قِيلَ» : إن من الأنبياء من قرر دين النبي الذي كان قبله وبقي القوم على ما كانوا عليه كأنبياء بني إسرائيل وكيف وآدم لما أرسل لَمْ يُكَذّبْ؟
فالجَوابُ: أنا لا نسلم أن المقرر رسول، بل هو نبي على دين رسولٍ ومن كَذَّب رَسُولَه فهو يكذبه أيضاً ضرورةً.
«فَإِنْ قِيلَ» : قوله: {ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا} يدل على أنهم كلّهم قالوا: ساحر والأمر ليس كذلك لأن ما مِنْ رسول إلا وآمن به قومٌ وهم ما قالوا ذلك؟
فالجَوابُ: أن ذلك ليس بعَامٍّ، فإنه لم يقل: إلا قال كلهم وإنما قال: «إلاَّ قَالوا» ولما كان كثير منهم قابلينَ ذلك قال الله تعالى: إِلاَّ قَالُوا.
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ لمْ يذكر المصدّقين كما ذكر المُكَذّبين، وقال: إِلاَّ بَعْضُهُمْ صدقتَ وبعضهم كذبتَ؟
فالجَوابُ: لأن المقصود التسلية وهي على التكذيب، فكأنه تعالى قال: لا تأسَ على تكذيب قومِكَ، فإن أقواماً قبلك كَذّبوا ورسلاً كُذّبُوا.
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) }