والمعنى «مَا تَذَرُ» ما تترك {مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ} من أنفسهم وأموالهم وأنعامهم {إلاَّ جعلته كالرميم} أي كالشيء الهالك البالي، وهو نبات الأرض إذا يَبِسَ ودِيسَ.
قال مجاهد: كالتِّبْن اليابسِ، وقال أبو العالية: كالتراب المدقُوق.
وقيل: أصله من العظم البَالي.
{وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) }
والحكمة في كَثْرة ذكر البناء في السماوات كقوله تعالى: {والسمآء وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5] ، وقوله: {أَمِ السمآء بَنَاهَا} [النازعات: 27] أن بناء السماءِ باقٍ إلى قيام الساعة، لم يسقط منها شيء، ولم يُعْدَم منها جزءٌ. وأما الأرض فَهي في التبدل والتغير كالفراش الذي يُبْسَط ويُطْوَى ويُنْقَلُ، والسماء كالبناء المبنيّ الثابت كما أشار إليه بقوله: {سَبْعاً شِدَاداً} [النبأ: 12] وأما الأرض فكَمْ صارت بحراً، وعادت أرضاً من وقت حدوثها، وأيضاً فالسماء ترى كالقُبَّةِ المبنية فوق الرؤوس، والأرض مبسوطة مَدْحُوَّة، وذكر البناء بالمرفوع أليق كقوله تعالى: {رَفَعَ سَمْكَهَا} [النازعات: 28] .
وقال بعض الحكماء: السماء مسكَن الأَرْوَاحِ، والأرض موضع الأعمال، والمسكن أليق بكونه بناءً. والله أعلم.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الحكمة في تقديم المفعول على الفعل ولو قال: وبَنَيْنَا السَّمَاءَ بأيدٍ كان أَوْجَز؟
فالجَوابُ: قال ابن الخطيب: لأن الصُّنْعَ قبل الصانع عند الناظر في المعرفة، فلما كان المقصود إثبات العلم بالصانع قدم الدليل وقال: والسَّمَاء المبنية التي لا تشُكُّون في بُنْيَانِها، فاعْرفونا بها إِن كنتم لا تَعْرِفُونَنَا.
«فَإِنْ قِيلَ» : إذا كان إثبات التوحيد فكيف قال: بَنَيْنَاها، ولم يقل: بَنَيْتُها؟
ولا بناها الله؟!