الثاني: أن إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - كان شديد الشفقة حليماً فكان يشق عليه إهلاك أمة عظيمة وكان ذلك مما يُحْزن إبراهيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - شفقةً منه على العباد فقال (لهم) بَشّروه بغلامٍ يخرج من صلبه أضعاف من يَهْلَكُ، ويكون من صلبه خروج الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - .
{قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) }
قال المفسرون: قوم منكرون أي غُرَبَاء ولا نعرفكم.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال في نفسه: هؤلاء قوم لا نَعرفهم. وقيل: إنما أنكر أمرهم، لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان.
وقال أبو العالية: أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض.
«فَإِنْ قِيلَ» : قال في سورة هود: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} [هود: 70] فدل على أن إنكاره حصل بعد تقريب العِجْل إليهم وهاهنا قال: {فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} ، ثم قال: {فَرَاغَ إلى أَهْلِهِ} بفاء التعقيب، وذلك يدل على تقريب الطعام منهم بعد حصول إنْكَارِهِ فما وجهه؟
فالجواب: أن يقال: لعلهم كانوا مخالفين لِصفة الناس في الشكل والهيئة، ولذلك قال: «قوم منكرون» ، أي عند كل أحد منا، ثم لمّا امتنعوا عن الطعام تأكد الإنكار، لأن إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - تَفَرَّد بمشاهدة إمساكهم فنَكِرَهُمْ فوق الإنكار الأول.
وحكاية الحال في سورة «هود» أبْسَطُ مما ذكره هاهنا، فإن هَهنا لم يبين المُبَشَّر به، وهناك ذكره باسمه وهو إسحاق وهاهنا لم يقل إن القوم قوم مَنْ، وهناك قال: قَوْم لوطٍ.
(فصل)