ولما كان الإنسان ، لما جبل عليه من النقصان ، قد يهلك جميع أمواله لهواً ولعباً بالمقامرة ونحوها ، ولا ينهاه ذلك بل لا يزيده إلا إقبالاً رجاء أن يظفر ، ولو سئل جميع ماله في الطاعة لبخل ، قال تعالى ذاكراً لهم ذلك تنبيهاً عليه وإيماء إلى حلمه تعالى عنهم وتحببه إليه معللاً ما قبله: {أن يسئلكموها} أي الأموال كلها ، ولما كانت الأموال قد تطلق على معظمها ، حقق المعنى بقوله: {فيحفكم} أي يبالغ في سؤالكم ويبلغ فيه الغاية حتى يستأصلها فيجهدكم بذلك {تبخلوا} فلا تعطوا شيئاً {ويخرج} أي الله أو المصدر المفهوم من"تبخلوا"بذلك السؤال {أضغانكم} أي ميلكم عنه حتى يكون آخر ذلك عداوة وحقداً ، وقد دل إضافة الأضغان إلى ضميرهم أن كل إنسان ينطوي بما له من النقصان ، على ما جبل عليه من الإضغان ، إلا من عصم الرحيم الرحمن ، قال الرازي: وهذا دليل على أن العبد إذا منع في مواسم الخيرات سوى الزكاة لم يخرج من البخل ، فحد البخل منع ما يرتضيه الشرع والمروءة فلا بد من مراعاة المروءة ورفع قبح الأحدوثة ، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص ، وقدم المادة مهما ظهر له أن فائدة البذل أعظم من فائدة الإمساك ثم يشق عليه البذل فهو بخيل محب للمال ، والمال لا ينبغي أن يحب لذاته بل لفائدته ، وحفظ المروءة أعظم وأفضل وأقوى من التنعم بالأكل الكثير مثلاً.