{مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون} استئنافٌ مَسُوقٌ لشرحِ مَحَاسنِ الجنَّةِ الموعودةِ آنِفاً للمؤمنينَ ، وبيانِ كيفيةِ أنهارِها التي أُشيرَ إلى جريانِها من تحتِها ، وعُبِّرَ عنهُم بالمتقينَ إيذاناً بأنَّ الإيمانَ والعملَ الصالَح من بابِ التقوى الذي هُو عبارةٌ عن فعلِ الواجباتِ بأسرِها وتركِ السيئاتِ عن آخرِها ، ومَثَلُها: وصفُها العجيبُ الشأنِ. وهُو مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ فقدَّرهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيلٍ: مثلُ الجنةِ ما تسمعونَ. وقولُه تعالى: {فِيهَا أَنْهَارٌ} إلخ مفسرٌ لَهُ وقدَّرهُ سيبويهِ فيما يُتلَى عليكُم مَثَلُ الجنةِ ، والأولُ هو الأنسبُ لصدرِ النظمِ الكريمِ ، وقيلَ المَثَلُ زائدةٌ كزيادةِ الاسمِ في قولِ مَنْ قالَ
إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عليكما... والجنةُ مبتدأٌ خبرُهُ فيها أنهارٌ إلخ. {مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ} أيْ غيرِ متغيرِ الطعمِ والرَّائحةِ. وقُرِىءَ غيرِ أَسِنٍ. {وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} بأنْ صارَ قارِصاً وَلاَ خَازِراً كألبانِ الدُّنيا. {وأنهار مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ للشاربين} لذيذةٍ ليسَ فيها كراهةُ طعمٍ وريحٍ ولا غائلةُ سُكرٍ ولا خُمارٌ ، وإنما هيَ تلذذٌ محضٌ. ولذةٍ إمَّا تأنيثُ لذَ بمعنى لذيذٍ ، أو مصدرٌ نُعتَ به مبالغةً. وقُرِىءَ لذةٌ بالرفعِ على أنَّها صفةُ أنهارٌ ، وبالنصبِ على العلَّةِ أي لأجلِ لذةِ الشاربينَ {وأنهار مّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} لا يُخالطُه الشمعُ وفضلاتُ النحلِ وغيرُها. وفي هذا تمثيلٌ لما يَجْري مَجرى الأشربةِ في الجنةِ بأنواعِ ما يُستطابُ منها ويُستلذُّ في الدُّنيا بالتخليةِ عمَّا يُنغصها ويُنقصها والتحليةِ بما يُوجبُ غزارتُها ودوامَها. {وَلَهُمْ فِيهَا} مع ما ذُكَر من فنونِ الأنهارِ {مِن كُلّ الثمرات} أيْ صنفٌ من كلِّ الثمراتِ {وَمَغْفِرَةٌ} أي ولهم مغفرةٌ عظيمةٌ لا يُقادَرُ قَدرُها.