وقوله: في اللبن {لم يتغير طعمه} نفي لجميع وجوه الفساد في اللبن وقوله: {لذة للشاربين} جمعت طيب المطعم وزوال الآفات من الصداع وغيره و {لذة} نعت على النسب ، أي ذات لذة. وتصفية العسل مذهبة لمومه وضرره. وقوله: {من كل الثمرات} أي من هذه الأنواع ، لكنها بعيدة الشبه ، إذ تلك لا عيب فيها ولا تعب بوجه. وقوله: {ومغفرة من ربهم} معناه: وتنعيم أعطته المغفرة وسببته ، فالمغفرة إنما هي قبل الجنة ، وقوله: {وسقوا} الضمير عائد على"مَنْ"لأن المراد به جمع.
وقوله تعالى: {ومنهم من يستمع إليك} يعني بذلك المنافقين من أهل المدينة ، وذلك أنهم كانوا يحضرون عند النبي عليه السلام فيسمعون كلامه وتلاوته ، فإذا خرجوا قال بعضهم لمن شاء من المؤمنين الذين عملوا وانتفعوا {ماذا قال آنفاً} فكان منهم من يقول هذا استخفافاً ، أي ما معنى ما قال وما نفعه وما قدره؟ ومنهم من كان يقول ذلك جهالة ونسياناً ، لأنه كان في وقت الكلام مقبلاً على فكرته في أمر دنياه وفي كفره ، فكان القول يمر صفحاً ، فإذا خرج قال: {ماذا قال آنفاً} ، وهذا أيضاً فيه ضرب من الاستخفاف ، لأنه كان يصرح أنه كان يقصد الإعراض وقت الكلام ، ولو لم يكن ذلك بقصد لم يبعد أن يجري على بعض المؤمنين. وروي أن عبد الله بن مسعود وابن عباس ممن سئل هذا السؤال ، حكاه الطبري عن ابن عباس.
وقرأ الجمهور:"آنفاً"على وزن فاعل ، وقرأ ابن كثير وحده:"أنفاً"على وزن فعل ، وهما اسما فاعل من ائتنف ، وجريا على غير فعلهما ، وهذا كما جرى فقير على افتقر ولم يستعمل فقر ، وهذا كثير ، والمفسرون يقولون:"أنفاً"معناه: الساعة الماضية القريبة منا ، وهذا تفسير بالمعنى.
ثم أخبر تعالى أنه {طبع} على قلوب هؤلاء المنافقين الفاعلين لهذا ، وهذا الطبع يحتمل أن يكون حقيقة ، ويحتمل أن يكون استعارة وقد تقدم القول فيه.