واختلف المتأولون في الغاية التي عندها تضع الحربُ أوزارها ، فقال قتادة: حتى يُسَلِّمَ الجميعُ ، وقال حُذَّاقُ أهل النظر: حتى تغلبوهم وتَقْتُلُوهُمْ ، وقال مجاهد: حتى ينزلَ عيسى ابْنُ مَرْيَمَ ، قال * ع*: وظاهر اللفظ أَنَّهُ استعارةٌ يُرَادُ بها التزامُ الأمْرِ أبداً ؛ وذلك أَنَّ الحربَ بين المؤمنين والكافرين لا تضع أوزارها ، فجاء هذا كما تقول: أنا أفعل كذا وكذا إلى يَوْمِ القيامةِ ، وإنَّما تريد أَنَّك تفعله دائماً.
{وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} أي: بعذابٍ مِنْ عنده ، ولكن أراد سبحانه اختبار المؤمنين ، وأنْ يَبْلُوَ بعضَ الناس ببعضٍ ، وقرأ الجمهور: {قَاتَلُواْ} وقرأ عاصم بخلاف عنه: {قاتلوا} بفتح القاف والتاء ، وقرأ أبو عمرو وحَفْصٌ: {قاتلوا} بضم القاف وكسر التاء ، قال قتادة: نزلَتْ هذه الآيةُ فيمَنْ قُتِلَ يوم أُحُدٍ من المؤمنين.
وقوله سبحانه: {سَيَهْدِيهِمْ} أي: إلى طريقِ الجَنَّةِ.
* ت *: ذكر الشيخ أبو نُعَيْمٍ الحافظُ أنَّ مَيْسَرَةَ الخادمَ قال: غزونا في بعض الغَزَوَاتِ ، فإذا فتًى إلى جانِبي ، وإذا هو مُقَنَّعٌ بالحديد ، فَحَمَلَ على المَيْمَنَةِ ، فَثَنَاها ، ثُمَّ على المَيْسَرَةِ حتى ثَنَاهَا ، وحَمَلَ عَلَى القَلْبِ حتى ثناه ، ثم أنشأ يقول [الرجز]
أَحْسِنْ بِمَوْلاَكَ سَعِيدُ ظَنَّا... هَذا الَّذِي كُنْتَ لَهُ تمنى
تَنَحِّ يَا حُورَ الْجِنَانِ عَنَّا... مَالَكِ قَاتَلْنَا وَلاَ قُتِلْنَا
لَكِنْ إلى سَيِّدِكُنَّ اشتقنا... قَدْ عَلِمَ السِّرَّ وَمَا أَعْلَنَّا
قال: فحمل ، فقاتل ، فَقَتَلَ منهم عدداً ، ثم رَجَعَ إلى مَصَافِّهِ ، فتكالَبَ عليه العَدُوُّ ، فإذا هو رضي اللَّه تعالى عنه قد حمل على الناس ، وأنشأ يقول: [الرجز]