من رحمة الله بعباده أنْ شرعَ لهم التوبة، وفتح لهم باب الاستغفار، فهو سبحانه خالقهم وأعلم بهم وبما يصلحهم، يعلم أن الإنسان من طبيعته الغفلة.
لذلك قال:
{وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ..} [المائدة: 15] وشرع لنا الكفارات، فالصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كلها مُكفِّرات للذنوب وكأنها (أوكازيونات) للمغفرة حتى لا نيأس من رحمة الله، ولا نتمادى في المعصية.
فالمغفرة للذنوب رحمة يرحم اللهُ بها عباده حتى لا يدخلوا من باب اليأس وتنتشر المعصية وتستشري بين الناس.
وقوله: {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} [محمد: 2] كل المفسرين يقولون يعني: أصلح حالهم كله النفسيّ والمعنوي والمادي، لكن فَرْق بين بال وحال: البال هو في الواقع الخاطر الذي يخطر في العقل، تقول: هذا الشيء في بالي يعني: في عقلي لا يفارقني، والإنسان عادة ما يشغل باله بالحالة التي هو فيها، فالطالب مثلاً: يشغل باله بالنجاح والرسوب والكلية والعمل بعد التخرج، فمَنْ أصلح الله باله انصلح حاله.
{ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُواْ الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّبَعُواْ الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ}
قوله تعالى: {ذَلِكَ ..} [محمد: 3] إشارة إلى الجزاء الذي تقدم جزاء الكافرين الذين أضل أعمالهم، وجزاء المؤمنين الذين كفَّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم، هنا يُبيِّن علة ذلك وسببه، فالكافرون اتبعوا الباطل، والمؤمنون اتبعوا الحق، الباطل معدوم والحق ظاهر وثابت، فمَنِ اتبع المعدوم ينعدم عنده كُلُّ خير، ومن اتبع الحق الثابت الموجود يُوجد عنده كل خير.
لكن لماذا اتبع أهلُ الباطل الباطلَ؟ اتبعوه لأنه ليس له تكاليف تُقيد شهواتهم، وليس عنده محاذير ينبغي الوقوف عندها، البالطل يطلق للنفس العنان لتخوض في شهواتها وملذاتها ورغباتها.
بالباطل يسرق ويعيش على عرق بل دماء الآخرين، بالباطل يحقد على غيره ويحسده ويقتله، أما الحق فيمنعك من هذا كله ويُقيِّد عندك كل حركة منافية لمقتضيات الإيمان.
وإلا لماذا عُبدت الأصنام، وعُبدتْ الشمس والقمر والنجوم؟ نعم هم يعلمون أنها لا تضر ولا تنفع، لكن ليس لها تكاليف تقيدهم، لذلك عبدوها.