وفي هذا محسن الجمع بعد التفريق ويسمونه كعكسه التفسيرَ لأن في الجمع تفسيرا للمعنى الذي تشترك فيه الأشياء المتفرقة تقدمَ أو تأخَّرَ.
وشاهده قول حسان من أسلوب هذه الآية:
قوم إذا حاربوا ضَرّوا عدوَّهم...
أو حاولوا النفعَ في أشياعهم نفَعوا
سَجية تلكَ فيهم غير مُحدثة...
إنَّ الخَلائق فاعَلمْ شرُّها البِدَع
قال في"الكشاف": وهذا الكلام يسميه علماء البيان التفسير ، يريد أنه من المحسنات البديعية.
ونقل عن الزمخشري أنه أنشد لنفسه لمّا فسر لطلبته هذه الآية فقُيد عنه في الحواشي قوله:
به فُجع الفرسان فوق خيولهم...
كما فُجعت تحت الستور العواتق
تساقط من أيديهم البِيضُ حيرة...
وزُعزع عن أجيادهن المخانق
وفي هذه الآية محسِّن الطباق مرتين بين {الذين كفروا} و {الذين آمنوا} وبين {الحق} و {الباطل} .
وفي بيتي الزمخشري محسّن الطباق مرة واحدة بين فوق وتحت.
واتباع الباطل واتباع الحق تمثيليتان لهيئتي العمل بما يأمر به أئمة الشرك أولياءهم وما يدعو إليه القرآن ، أي عملوا بالباطل وعمل الآخرون بالحق.
ووصف {الحق} بأنه {من ربهم} تنويه به وتشريف لهم.
{رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله لِلنَّاسِ} .
تذييل لما قبله ، أي مثل ذلك التبيين للحالين يبين الله الأحوال للناس بياناً واضحاً.
والمعنى: قد بيّنا لكل فريق من الكافرين والمؤمنين حاله تفصيلاً وإجمالاً ، وما تفضي إليه من استحقاق المعاملة بحيث لم يبق خفاء في كنه الحالين ، ومثل ذلك البيان يمثل الله للناس أحوالهم كيلا تلتبس عليهم الأسباب والمسببات.
ومعنى {يضرب} : يلقي وهذا إلقاء تبيين بقرينة السياق ، وتقدم عند قوله تعالى: {أن يضرب مثلاً} ما في سورة البقرة (26) .
والأمثال: جمع مثَل بالتحريك وهو الحال التي تمثل صاحبها ، أي تشهره للناس وتعرفهم به فلا يلتبس بنظائره.
واللام للأجل ، والمراد بالناس جميع الناس.
وضمير أمثالهم للناس.