وإذا وجه الكلام إلى ما قلنا من هذا الوجه، لم يكن على وجه الشك، ولكن على الإلطاف في الكلام، وحسن الخطاب، كما قال - جل ثناؤه - وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
وقال الإمام ابن كثير: يقول - تعالى -: قُلْ يا محمد إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ.
أي: لو فرض هذا لعبدته على ذلك، لأنى عبد من عبيده، مطيع لجميع ما أمرنى به، ليس عندي استكبار ولا إباء عن عبادته، فلو فرض هذا كان هذا، ولكن هذا ممتنع في حقه
-تعالى - ، والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز - أيضا - كما قال - تعالى -: لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ، سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ.
وقال صاحب الكشاف - رحمه الله -: قوله - تعالى -: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ ..
وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح .. فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ أي: فأنا أول من يعظم ذلك الولد، وأسبقكم إلى طاعته ..
وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفى الولد، والإطناب فيه .. وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد، وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها محالا مثلها .. .
ويرى بعض العلماء أن إِنْ في الآية نافية بمعنى ما، فيكون المعنى: قل - أيها الرسول - لهؤلاء الكافرين: ما كان للرحمن من ولد، وما صح وما أمكن ذلك، فهو مستحيل عقلا وشرعا ... وما دام الأمر كذلك، فأنا أول العابدين لله - تعالى - المنزهين له عن الولد والشريك وغيرهما.
قال الإمام القرطبي: قوله - تعالى -: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ ... اختلف في معناه. فقال ابن عباس والحسن والسدى: المعنى: ما كان للرحمن ولد. إِنْ بمعنى ما، ويكون الكلام على هذا تاما، ثم تبتدى بقوله - تعالى - فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ.
وقيل المعنى: قل يا محمد، إن ثبت له ولد، فأنا أول من يعبد ولده، ولكن يستحيل أن يكون له ولد، وهو كما تقول لمن تناظره: إن ثبت ما قلت بالدليل، فأنا أول من يعتقده، وهذا مبالغة في الاستبعاد، أي: لا سبيل إلى اعتقاده ..
وإِنْ على هذا للشرط، وهو الأجود.