وبعد هذا التهديد والوعيد لأولئك الكافرين .. تأخذ السورة الكريمة في تلقين الرسول صلّى الله عليه وسلّم الحجة التي يجابهم بها، وفي تسليته عما أصابه منهم، وفي الثناء على الله - تعالى - بما هو أهله من تمجيد وتعظيم، ثم تختتم بهذا النداء الخاشع من الرسول صلّى الله عليه وسلّم لخالقه - عز وجل - فتقول:
[سورة الزخرف (43) : الآيات 81 إلى 89]
(قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ(81)
وإِنْ في قوله - تعالى -: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ ... يرى بعضهم أنها شرطية، وأن الكلام مسوق على سبيل الفرض والتقدير.
والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - ردا على هؤلاء الكافرين الذين نسبوا الولد إلى الله - تعالى - ، قل لهم: إن كان للرحمن ولد - على سبيل الفرض والتقدير - فأنا أول العابدين لهذا الولد، ولكن هذا الفرض قد ثبتت استحالته يقينا لا شك معه، فما أدى إليه، وما ترتب عليه من نسبتكم الولد إلى الله - تعالى - محال - أيضا - وإذا فأنا لا أعبد إلا الله - تعالى - وحده، وأنزهه - سبحانه - عن الولد أو الشريك.
ومن الآيات الكريمة التي نفت عن الله - عز وجل - الولد قوله - تعالى -: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وقوله - عز وجل -: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا. تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً. وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً.
ومن المفسرين الذين رجحوا أن تكون إِنَّ هنا شرطية، الإمام ابن جرير، فقد قال بعد أن ذكر بعض الأقوال في ذلك: وأولى الأقوال عندنا بالصواب في ذلك، قول من قال:
معنى إِنَّ الشرط الذي يقتضى الجزاء. ومعنى الكلام: قل يا محمد لمشركي قومك، الزاعمين أن الملائكة بنات الله، إن كان للرحمن ولد - على سبيل الفرض - فأنا أول العابدين. ولكنه لا ولد له فأنا أعبده لأنه لا ينبغي أن يكون له ولد.