أنذر الله - في هذا المقطع - الكافرين بالساعة، وحذّرهم أنّ عاقبة مكرهم ضدّ الإسلام عائدة عليهم، وأنهم سيحاسبون على أعمالهم، كما بشر المتقين. ونلاحظ بعد ذلك أن أمرا مباشرا لرسول الله صلّى الله عليه وسلم يتوجّه. وعند ما ندرس الأمر وندرس ما بعده نجد أنّ له صلة بكل ما مرّ من السّورة. فكأن ما بقي من السورة هو خاتمتها التي تضئ على ما قبلها والتي هي محصلة لها، فقد رأينا أن السورة حدّثتنا عن كون المشركين يعتبرون أن الملائكة بنات الله، كما ورد في المقطع الأول، ورأينا أن المقطع الثاني حدثنا عن عبودية المسيح لله، ورأينا أن المقطع الثالث حدثنا عن اختلاف النصارى في شأن المسيح، وقد بيّن الله عزّ وجل الحق في هذه الشئون كلها. والآن يأمر الله عزّ وجل رسوله صلّى الله عليه وسلم أن يعلن:
قُلْ يا محمد إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ قال ابن كثير: أي لو فرض هذا لعبدته على ذلك لأني عبد من عبيد الله، مطيع لجميع ما يأمرني به، ليس
عندي استكبار ولا إباء عن عبادته، فلو فرض هذا لكان هذا، ولكن هذا ممتنع في حقه تعالى. والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضا ... وقال السدي: أي ولو كان له ولد كنت أول من عبده بأن له ولدا، ولكن لا ولد له وهو اختيار ابن جرير، وقال النسفي: إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ وصح ذلك ببرهان فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ فأنا أول من يعظم ذلك الولد، وأسبقكم إلى طاعته، والانقياد إليه، كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه، وهذا كلام وارد على سبيل الفرض، والمراد نفي الولد وذلك أنه علّق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها محالا مثلها).