تأمل هذا المثَل، تجد الحق سبحانه مثَّل محمداً وصحبه في التوراة بمثَل معنوي عبادي، لأن اليهود تغلب عليهم الماديات، وجاء بمثل مادي في الإنجيل لأن الإنجيل ليس فيه إلا روحانيات، فلما طغتْ المادية على اليهود ذكر لهم المثل المعنوي، ولما طغتْ الروحانيات على النصارى جاء لهم بمثَل مادي، فكان ولا بُدَّ أن يجيء الإسلام وسطاً يراوح بين الماديات والروحانيات.
وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا ..} [الزمر: 27] الضرب قلنا: هو إيقاع شيء فوق شيء بقوة وشدة ليحدث فيه أثراً، ومن ذلك الضرب في الأرض أي: حرثها والاعتناء بها لتعطيك من خيرها، وضَرْب المثل يكون لأنه في ظاهره غريب، فنقول لك: لا تستغربه فهو مثل كذا وكذا فيتضح المقال ويزول الاستغراب، والمثَل يشبه المختلف فيه بالمتفق عليه. كما في المثل السابق
{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ..}
[الفتح: 29] .
ومادة مثل في القرآن الكريم وردتْ إحدى وأربعين مرة بلفظ مثل، واثنتين وعشرين مرة بلفظ مثلاً، وثلاث مرات بلفظ مثلهم.
ومن طريف الصور التمثيلية قَوْلُ الشاعر يصف رجلاً أحدب، ويُصوِّره لك كأنك تراه بالفعل:
قَصُرَتْ أخادِعهُ وغَاصَ قَذَالهُ ... فَكأنَّهُ مُتربِّصٌ أنْ يُصْفَعَا
وكَأنَّمَا صُفِعَتْ قَفَاهُ مَرَّةً ... فَأحسَّ ثانِيةً لَهَا فَتجمَّعَا
وقوله تعالى: {مِن كُلِّ مَثَلٍ ..} [الزمر: 27] يفيد العموم، يعني: لوَّنا لهم الأمثال لنُبين لهم قواعد الدين بما يشاهدونه من الماديات {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [الزمر: 27] يعني: يتأملون هذه الأمثال، ويضعون كل مثَل مقابل مثاله، وليأخذوا من المشاهد دليلاً على ما غاب، ومن المتفق عليه دليلاً على المختلف فيه.
وقوله سبحانه: {قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ..} [الزمر: 28] أي: أن هذه الأمثال جاءت قرآناً عربياً مبيناً واضحاً لا عوجَ فيه، وهو كتاب يُقرأ ويكتب وتتكرر تلاوته في العبادة، وهو محفوظ لا يناله تحريف أو تبديل والذي يحفظه قائله سبحانه، إذن: فهذه الأمثال باقية ببقاء القرآن خالدة بخلوده ستظل أمامكم تفيدون منها، كلما عرضتْ لكم قضايا الحياة وجدتم الحلّ لها.
وقوله: {غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ..} [الزمر: 28] ليس مائلاً إلى جهة من الجهات، بل هو مستقيم، لأنه التشريع الحقّ من الله الذي لا يُحابي أحداً ولا يجامل أحداً حتى رسله، واقرأ قوله سبحانه لنبيه وخيْر رسله محمد