وليس كذلك عقيدة سلبية يعيش بها الناس بينهم وبين ربهم وكفى، كما أنه ليس مجرد شعائر يؤديها الناس لربهم فيما بينهم وبينه، بل إنما هو مع ذلك حركة لتغيير منهج الناس في الحياة ليكون على مراد الله لا على مراد غيره كما قال سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) } [الأنفال: 39، 40] .
والاستقامة مبنية على شيئين:
أحدهما: حراسة الخواطر وحفظها، والحذر من إهمالها، والاسترسال معها.
الثاني: صدق التأهب للقاء الله عزَّ وجلَّ.
فأصل الفساد كله يجيء من قبل الخواطر؛ لأنها هي بذر الشيطان، والنفس في أرض القلب.
فإذا تمكن بذرها في القلب تعهدها الشيطان بالسقي مرة بعد أخرى حتى تصير إرادات، ثم يسقيها بسقيه حتى تكون عزائم، ثم لا يزال بها حتى تثمر الأعمال المهلكة.
ولا ريب أن دفع الخواطر أيسر من دفع الإرادات والعزائم، فالخواطر كالشرارة يسهل إطفاؤها، والإرادات والعزائم كالنار المشتعلة.
ولحفظ الخواطر أسباب عدة:
أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب سبحانه عليك، ونظره إلى قلبك، وعلمه بتفاصيل خواطرك.
الثاني: حياؤك منه.
الثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلق لمعرفته
ومحبته وعبادته.
الرابع: خوفك منه أن تسقط من عينه بتلك الخواطر.
الخامس: إيثارك له أن تساكن قلبك غير محبته.
السادس: خشيتك أن يستعير شرر تلك الخواطر فتأكل ما في القلب من الإيمان ومحبة الله.
السابع: أن يعلم العبد أن تلك الخواطر بمنزلة الحب الذي يلقى للطائر ليصاد به.
الثامن: أن يعلم العبد أن تلك الخواطر الرديئة لا تجتمع هي وخواطر الإيمان، ودواعي المحبة في قلب المؤمن؛ لأنها ضدها من كل وجه.
التاسع: أن يعلم أن تلك الخواطر بحر من بحور الخيال لا ساحل له، فإذا دخل القلب في غمراته غرق فيه، وتاه في ظلماته.