تزولا، ويمسك كل شيء إيجادًا وإفناء إبطانًا لأحد الأمرين وإظهارًا للآخر، وهذا
كله إعلام منه بوجود الحياة حال الموت، ووجود الحياة حال الموت في هذه
(وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) .
فقد أفصح لك الاعتبار المتصل بالوحي بالعلم من حيث منبعثهما، وأن النهار
منفصل من نهار هو متصل بالأفق المبين، وأن الليل منفصل من ظلام متصل بأسفل
السافلين، كما قال عيسى ابن مريم - عليه السَّلام - حيث يطول العويل وقلقلة الأضراس،
وأنهما منفصلان معًا من الآخرة: هذا من الجنة وهذا من النار، فافهم ذلك.
قوله: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ(37) .
ثم قال - عز من قائل: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ...(38) .
وقرأ ابن عباس وعكرمة وابن أبي عبلة"لا مستقر لها"بالألف، وكذلك رواه ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد تقدم الكلام على معنى القراءتين، وأنها ساجدة من حيث هي
طالعة في سمت قوم مستوية في حق آخرين وغاربة عند قوم، وعلى التدريج بين
ذلك.
وسبيل عبرتنا على ما نحن بصدده: أنها جارية على الظاهر منها، وهي ساجدة
في باطن حالها؛ لأنها من حيث هي قائمة هي ساجدة، وما هي طالعة ودالكة هي
جارية، وهي لا تزال أبدًا أن تكون في سمت ما فهي في حق أولئك قائمة أو داحضة
أو طالعة أو غاربة فهي في حق أولئك جارية، فافهم.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أتدرون أين تذهب هذه الشمس..."وفيه:"أنها تذهب"
حتى تأتي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها:
ارتفعي اصبحي طالعة من مطلعك"فأخبر رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه"
-عن جريها في الأيام من مطلعها إلى مغربها، وتولى القرآن العزيز الإخبار عن
مطالعها ومغاربها وجريانها في ذلك، وتأخره يلحق الإخبار بالقرآن عن سيرها يومًا
يومًا من مطلعها إلى مغربها، فتأويل قول الله - جلَّ جلالُه - على العبرة بمطالعها ومغاربها في
النجوم من أيام السنة، وهو أعلم بما ينزل.
(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) إن مستقرها آخر مطالعها من