قال أبو بكر: وكذا حفظته"مَن هَبَّنَا"بغير ألف في أهبنا مع تسكين نون مَن.
والصواب فيه على طريق اللغة"مَنَ اهَبَنَا"بفتح النون على أن فتحة همزة أهب ألقيت على نون"من"وأسقطت الهمزة ؛ كما قالت العرب: من أخبرك من اعلمك؟ وهم يريدون من أخبرك.
ويقال: أهببتُ النائم فهبّ النائمُ.
أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي:
وعَاذِلَة هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُني ...
ولم يَعتمرْني قبل ذاكَ عَذُول
وقال أبو صالح: إذا نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور وهجعوا هجعة إلى النفخة الثانية وبينهما أربعون سنة ؛ فذلك قولهم:"مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا"وقاله ابن عباس وقتادة.
وقال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وما فيها من أنواع العذاب صار ما عذبوا به في قبورهم إلى جنب عذابها كالنوم.
قال مجاهد: فقال لهم المؤمنون: {هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن} .
قال قتادة: فقال لهم من هدى الله {هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن} .
وقال الفراء: فقال لهم الملائكة: {هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن} .
النحاس: وهذه الأقوال متفقة ؛ لأن الملائكة من المؤمنين وممن هدى الله عز وجل.
وعلى هذا يتأول قول الله عز وجل: {إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أولئك هُمْ خَيْرُ البرية} [البينة: 7] وكذا الحديث:"المؤمن عند الله خير من كل ما خلق"ويجوز أن تكون الملائكة صلى الله عليهم وغيرهم من المؤمنين قالوا لهم:"هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ".
وقيل: إن الكفار لما قال بعضهم لبعض:"مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنَا"صدّقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم به ، ثم قالوا:"هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ"فكذبنا به ؛ أقروا حين لم ينفعهم الإقرار.
وكان حفص يقف على"مِنْ مَرْقَدِنَا"ثم يبتدئ فيقول:"هَذَا".