أسبقيةَ لليل على نهار، ولا لنهار على ليل لأنهما وُجِدا معاً في لحظة واحدة لأن الأرض مُكوَّرة، فما واجه منها الشمسَ كان نهاراً، وما غابتْ عنه الشمس كان ليلاً.
لذلك حلَّتْ لنا هذه الآية مشكلة طال الجدال حولها هي كروية الأرض. وقوله سبحانه {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يس 40 يسبحون من السبح، وهو قَطْع المسافة على ماء لين، فهي حركة فيها انسيابية، ليست على أرض تدبّ عليها الأقدام، وهذا مثال لحركة الأفلاك، وهذه الحركة السبحية يكون كل جزء منها مُوزَّعاً على جزء من الزمن. وهذه الحركة ليس لدينا المقاييس التي ندركها بها، إنما نعرفها من جملة الزمن مع جملة الحركة، فمثلاً لو وُلد لك مولود وجلستَ ترقبه وتلاحظ نموه، فإنك لا تلاحظ هذا النمو، ولا يكبر الولد في عين أبيه أبداً، لماذا؟ لأن نموه لا يأتي قفزةً واحدة يمكن ملاحظتها، إنما يُوزَّع النمو على الزمن، لكن إذا غِبْتَ عن ولدك عدة شهور أو سنوات فإنك تلاحظ نموه حين تعود وتراه لأنك تلاحظ مجموع النمو طوال فترة غيابك عنه. فمعنى {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يس 40 يعني يسيرون سيراً انسيابياً متتابعاً يُوزَّع على الزمن. ثم يقول الحق سبحانه {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ ...} .
{وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} * {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} * {وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ} * {إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ}
قوله تعالى {وَآيَةٌ لَّهُمْ} يس 41 هي آية لنا ولهم، لنا على سبيل الاستدلال نستدل لهم بها لنقنعهم، ولهم هم أي تدعوهم إلى الإيمان بالله لذلك لما سُئِل الإمام علي رضي الله عنه أعرفتَ ربك بمحمد؟ أم عرفتَ محمداً بربك؟ فقال عرفتُ ربي بربي، وجاء محمد فبلَّغني مراد ربي مني. ومعنى {الْفُلْكِ} السفن {الْمَشْحُونِ} المملوء. والمراد سفينة سيدنا نوح - عليه السلام - وقد أوحى الله إليه أنْ يصنع السفينة، ودلَّه على كيفية صناعتها، كما قال سبحانه
{فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ..}