جل ذكره - جزّأ القرآن ثلاثة أجزاء: فجعل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1) . جزء
و (يس) جزء، وسائر القرآن جزء.
وجاء عن عبد الله بن مسعود أنه قال:"لكل شيء قلب، وقلب القرآن سورة يس"
وإنما كانت سورة"الإخلاص"تعدل ثلث القرآن"لأنها وصف لله - جل ذكره -"
ومذكور ما فيها ذكر صفاته وذكر الله لا يعدل به غيره، وهذا جزء من ثلاثة.
الثاني: ذكر السورة وما جاءت به من أمر ونهي.
الثالث: الاعتبار.
وكانت سورة"يس"تعدل ثلث القرآن أيضًا؛ لأجل أنها سردت على الاعتبار
ولواحق الإيمان بالغيب وغيب الغيب على ما يأتي ذكره إن شاء الله والاعتبار، فاعلم
لا يكون موجودًا إلا بالمصابرة، ومرابطة النفس، وملازمة التذكار، ومطاولة التفكر،
حتى يعود ذلك للنفس عادة، ومن لا همة له فلا حراك به إلى طلب، ومن لا جد له
فلن تغني عنه الهمة شيئًا، ثم التطهر بالتوبة النصوح ولزوم الواضع للحق وقبوله من
حيث وجد، والتبرئ من الحول والقوة وانتظار الفتح من عند الفتاح العليم على هذا
مدار هذا الشأن، واللَّه (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) .
وكان يُقال: لا يتم طلب العلم إلا بعد ست خصال: ذهن ثاقب، وشهوة باعثة،
وزمان طويل، وجدة وأستاذ، ومعونة من الله، فمتى نقص من هذا شيء نقص من
العلم بمقداره.
قوله - جلَّ جلالُه -: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ ...(6) . يجوز أن يكون (مَا) هنا
مفعوله، فيكون تقدير الكلام: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا) الذي أنذر آباؤهم، ويجوز أن تكون نافية،
وهو الأوجه، دل على ذلك قوله: (فَهُمْ غَافِلُونَ) والوجهان صحيحان فقد
كانت فيهم ندارة إبراهيم وإسماعيل صلوات اللَّه وسلامه عليهما.
قال - عز وجل -: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(28) . لكنهم
استولى عليهم النسيان، وحالفتهم الغفلة، واستحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم
ذكر الله فضلوا السبيل.
قال عز من قائل: (مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ)