ثم إن المزاج هو كيفية متوسطة حاصلة عن تفاعل العناصر بعضها في بعض وإذا تفاعلت كسر كل منها صورة الآخر وذهبت صورته بالكلية، ففرض كمون أحد العناصر بصورته في الجسم محال، نارا كان ذلك أو غيره. وإنما أطلنا الكلام هاهنا لوجهين:
أحدهما: لئلا يظن ظان أن الفرق المذكور مؤثر، فلا يثق بدليل القرآن،
الثاني: الإعلام بأن براهين القرآن بعد كل سؤال وجواب وتشكيك من ذي ارتياب تظهر أنها قوية متينة واضحة سالمة عن المبطلات، مستولية بالإبطال على الشبهات.
الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ (81) [يس: 81] تضمن الدليل الثالث على البعث، وقد سبق، وتقريره:
أن خلق السماوات والأرض أعظم من إعادتهم يعني منكري البعث، والقادر على الأعظم هو على الأيسر أقدر، أو يقال: إعادتهم أهون من خلق السماوات والأرض، فهو قادر عليها بطريق أولى، ودليل ذلك النص النظر، أما النص فقوله - عز وجل: {لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (57) [غافر: 57] وأما النظر فلأن الإنسان عالم صغير والسماوات والأرض هما العالم الأكبر، أعظم من الأصغر، كما أن الأصغر أيسر من الأكبر، ومن أتقن علم الهيئة والطب بحيث يقف على عجائب أشكال الأفلاك ودوائرها، وبدائع عجائبها وأجناس ما في السماوات والأرض وأنواعها وأصنافها وأشخاصها علم أن في ذلك من الحكمة وبديع الصنعة أضعاف ما في بدن الإنسان من الحكمة التي عرفت بالتشريح.
ثم إنه - عز وجل - لما قرر أدلة البعث، ذكر مستندها جملة وهو عموم القدرة على جميع الممكنات فقال: {إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (82) [يس: 82] أي، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إلى غيره من الآلات/ [349 ل] والعلاجات.