وقال وكيع: شغلهم بالسماع، وقال ابن كيسان بزيارة بعضهم بعضاً، وقيل: شغلهم كونهم ذلك اليوم في ضيافة الله الجبار، وقيل: شغلهم عما فيه أهل النار على الإطلاق أو عن أهاليهم في النار، لا يهمهم أمرهم، ولا يبالون بهم كيلا يدخل عليهم تنغيص في نعيمهم، والمراد به ما هم فيه من فنون الملاذ التي تلهيهم عما عداها بالكلية.
وأما أن المراد به افتضاض الأبكار أو السماع أو ضرب الأوتار أو التزاور أو ضيافة الجبار كما روي كل واحد منها عن واحد من أكابر السلف فليس مرادهم بذلك حصر شغلهم فيما ذكروه فقط، بل بيان أنه من جملة أشغالهم، وتخصيص كل منهم من تلك الأمور بالذكر محمول على اقتضاء مقام البيان إياه.
(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(60)
وعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم، وإنما عبر عنها بالعبادة لزيادة التحذير والتنفير عنها ولوقوعها في مقابلة عبادة الله.
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا ...(71)
(أنعاماً) مفعول (خلقنا) ، وهي جمع نعم، وهي: البقر والغنم والإبل وإنما خصها بالذكر - وإن كانت الأشياء كلها من خلق الله وإيجاده - لأن النَّعم أكثر أموال العرب والنفع بها أعم.
(فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ(72)
(فمنها ركوبهم) أي: فمنها مركوبهم الذي يركبونه كما يقال: ناقة حلوب أي محلوبة يعني: معظم منافعها الركوب، وعدم التعرض للحمل لكونه من تتمة الركوب.
(ومنها يأكلون) أي يأكلونه من لحمها ومن للتبعيض، وإنما غير الأسلوب هنا لأن الأكل يعم الأنعام كلها بخلاف الركوب فهو خاص بالإبل منها.
(قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ(78)