وهم المصطفون لم يحرم الظالم بركة الكتاب لظلمه ولا المقتصد ولا السابق كل نال منه
حظه فالمحروم من حرم حظه منه اجمع.
قال القاسم في قوله: (فمنهم ظالم لنفسه) قال: الناس على ثلاثة اثلاث في
الدنيا إما في الحسنات وإما في السيئات وإما في الشهوات وفي الآخرة إما في الدرجات
وإما في الدركات وإما في الحسبانات فمن كان في الدنيا في الحسنات فهو في الآخرة في
الدرجات ومن كان في الدنيا في السيئات فهو في الآخرة في الدركات ومن كان في
الدنيا في الشهوات فهو متحير في الحسبانات.
وقال يحيى بن معاذ) اصطفينا من عبادنا) قال: هم أمة محمد حين روى عنه انه
قال:"سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له". صلى الله عليه وعلى آله
وأصحابه وسلم كثيرا.
وقال يحيى: اصطفاهم عن كدورتهم وأخلصهم لفهم القرآن والقيام بحدوده.
وأيضا: اصطفاهم بالمشاهدة والموافقة ولما اسر إليهم من مجالسته ومؤانسته.
قال الواسطي - رحمة الله عليه -: اخرجوا بالفضل وغذوا بالفضل ويريدون الفضل
بلا مواساة ولا مكافأة ولا عوض من ذلك.
قال قائل: من أهل الحقيقة انه من كرمه لا يقبل إلا كل معيب بحال وقيل: إنه لا
يقبل إلا كل مجيب يجيبه لخطابه وهداه لقرائه واشتملت عليه أنواره وظهرت عليه آثاره
فهو في آثاره يتردد ومن ذلك قوله: أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا اصطفاهم
في أزليته وصفاهم عند خلقتهم.
وقال جعفر: النفس ظالمة والقلب مقتصد والروح سابق.
وقال أيضا: من نظر بنفسه إلى الدنيا فهو ظالم ومن نظر بقلبه إلى الآخرة فهو
مقتصد ومن نظر بروحه إلى الحق فهو سابق.
وقال محمد بن علي الترمذي: الاصطفائية اوجبت الإرث والاصطفائية جمعت بين
الظالم والمقتصد والسابق فالظالم لنفسه على الظاهر سابق في ميدان الاصطفائية لذلك
قدمه وأزال العلل عن العطايا فقال: (جنات عدن يدخلونها) .
وقال القاسم: الظالم ذاكر والمقتصد متذكر والسابق غير ذاكر ومتذكر لأنه ليس في
حد الغفلة والنسيان فيذكر ويتذكر ومعناه: أن الظالم ينساه وقت معصيته فيذكره في
وقت توبته والمقتصد يتكلف في ذكره ويجتهد في أن لا ينساه والسابق لا ينساه في وقت
فيحتاج أن يذكره. وأنشد القاسم: