وجعلناهم أقسامًا ثلاثة: ظالم لنفسه مفرِّط في فعل بعض الواجبات، مرتكب لبعض المحرمات، مقتصد مؤدِّ للواجبات، تارك للمحرمات، تقع منه تارة بعض الهفوات، وحينًا يترك بعض المستحسنات، سابقٌ بالخيرات بإذن الله، يقوم بأداء الواجبات والمستحبات، ويترك المحرمات والمكروهات وبعض المباحات.
والخلاصة: أن الأمة في العمل أقسام ثلاثة: مقصّر في العمل بالكتاب، مسرف على نفسه، ومتردّد بين العمل به ومخالفته، ومتقدم إلى ثواب الله تعالى بعمل الخيرات وصالح الأعمال بتيسير الله وتوفيقه. {ذَلِكَ} السبق بالخيرات {هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} الذي لا يقادر قدره، والمن العظيم من الله الكبير، لا ينال إلا بتوفيقه، أو ذلك الإيراث والاصطفاء، فيكون بالنظر إلى جميع المؤمنين من الأمة، وكونه فضلًا؛ لأن القرآن أفضل الكتب الإلهية، وهذه الأمة المرحومة أفضل جميع الأمم السابقة، وفي"التأويلات النجمية": {ذَلِكَ} ؛ أي: الذي ذكر من الظالم مع السابق في الإيراث والاصطفاء ودخول الجنة، ومن دقائق حكمته أنه تعالى ما قال في هذه المعرض الفضل العظيم؛ لأن الفضل العظيم في حق الظالم أن يجمعه مع السابق في الفضل والمقام، كما جمعه معه في الذكر انتهى.
33 -وبعد أن ذكر سبحانه أحوال السابقين .. بيَّن جزاءهم ومآلهم بقوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} ؛ أي: بساتين استقرار وثبات وإقامة بلا رحيل؛ لأنه لا سبب للرحيل عنها، وهو إما بدل من الفضل الكبير؛ لأنه لما كان هو السبب في نيل الثواب .. نزل منزلة المسبب، وعلى هذا فتكون جملة {يَدْخُلُونَهَا} مستأنفة أو مبتدأ خبره قوله: {يَدْخُلُونَهَا} ؛ أي: هؤلاء الثلاثة أصناف يدخلون جنات عدن، ومن دخلها لم يخرج منها، وهذا هو الأولى بالترجيح، أو الضمير للسابق فقط، وجمعه لأن المراد بالسابق الجنس، وعلى هذا فتخصيص حال السابقين ومآلهم بالذكر، والسكوت عن الفريقين الآخرين وإن لم يدل على حرمانهما من دخول الجنة مطلقًا لكن فيه تحذير لهما من التقصير، وتحريض على السعي في إدراك شؤون السابقين.