وقال القشيري: في الإرث يبدأ بصاحب الفرض، وإن قلّ نصيبه، فكذا هاهنا بدأ بالظالم، ونصيبه أقل من نصيب الآخرين، {وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} ؛ أي: متوسط في العمل بالكتاب في أغلب الأوقات، ولا يخلو من خلط شيء أو متوسط في أمر الدين، بحيث لا يميل إلى جانب الإفراط، ولا إلى جانب التفريط، وهذا من أهل الجنة {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ} ؛ أي: متقدم إلى ثواب الله وجنته ورحمته {بِالْخَيْرَاتِ} ؛ أي: بالأعمال الصالحة، بضم التعليم والإرشاد إلى العلم والعمل {بِإِذْنِ اللَّهِ} ؛ أي: بإرادته وتوفيقه، جعله في"كشف الأسرار"متعلقًا بالأصناف الثلاثة على معنى ظلم الظالم، وقصد المقتصد، وسبق السابق بعلم الله تعالى، والظاهر تعلقه بالسابق، كما ذهب إليه أجلاء المفسرين على معنى بتيسيره وتوفيقه وتمكينه من فعل الخير، لا باستقلاله، وفيه تنبيه على عزة منال هذه الرتبة وصعوبة مأخذها قال القشيري: كأنه قال: يا ظالم ارفع رأسك، فإنك وإن ظلمت فما ظلمت إلا نفسك، ويا سابق اخفض فإنك وإن سبقت فما سبقت إلا بتوفيقي.
وقرأ الجمهور: {سَابِقٌ} على صيغة اسم الفاعل، وقرأ أبو عمران الحوفي وعمر بن أبي شجاع ويعقوب في رواية والقراءة عن أبي عمرو: {سبَّاق} على صيغة المبالغة، وقيل: المراد بالطوائف الثلاث: التالي للقرآن تلاوة مجرّدة، والقارئ له العامل به، والقارئ العامل بما فيه والمعلم له، وقال الحسن: الظالم: الذي رجحت سيئاته على حسناته، والمقتصد: الذي استوت حسناته وسيئاته، والسابق: من رجحت حسناته على سيئاته، وقيل: من ظاهره خير من باطنه، ومن استوى ظاهره وباطنه، ومن باطنه خير من ظاهره، أو من أسلم بعد فتح مكة، ومن أسلم بعد الهجرة قبل الفتح، ومن أسلم قبل الهجرة.
والمعنى: أي أوحينا إليك القرآن، ثمّ أورثناه من اصطفينا من عبادنا، وهم هذه الأمة التي هي خير الأمم بشهادة الكتاب: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} .